كود البناء السعودي وسلامة المباني

د. عبد الله الفايز

طالبت قبل ثلاث سنوات بمعرفة لماذا التقاعس والكتمان لمشروع حيوي ومهم يتعلق بكوارث يموت منها المواطنون بسبب عدم وجود كود ومواصفات لأنظمة البناء السعودي. ولاقيت عتب قوي من القائمين عليه. وبعد سنوات تمخض الجبل فولد مؤتمر عن كود البناء وهو آخر علمنا بالمفقود أو خرج ولم يعد. والآن وبعد سنوات لا نعرف مصير هذا الكود! وهل هو قيد التجربة أو الفحص للتأكد منه أو أننا سنحتاج إلى مقالات أخرى للمطالبة بمؤتمر آخر يسكتنا!
واليوم أطالب ويطالب الجميع من مواطنين ومهنيين بسرعة تزويدنا بالكود. وأعود مرة أخرى لأحمل القائمين على الكود مسؤولية التأخير وأنهم يتحملون جزءا كبيرا من مسؤولية حريق مدرسة مكة المكرمة وغيرها من المدارس أو الممتلكات الأخرى ومشكلات سقوط الأبنية وإزهاق أرواح الأبرياء. لقد خرجت فكرة ولادة كود البناء السعودي منذ أكثر من 20 سنة ثم بدأت عملية دق الصدور خلال السنوات العشر الأخيرة وكل يتبنى إخراج المشروع إلى الوجود من وزارة التجارة إلى الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس ثم اللجنة الأخيرة لكود البناء. ولكن يموت ناس ويحيا ناس وخديجة في كراكرها.

لقد كان الإسراع في إصدار الكود هو إحدى أهم توصيات المؤتمر العقاري السعودي الأول (سايرك) الذي أقيم تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز نائب خادم الحرمين في الشهر الماضي، ومنتدى تطوير الأحياء السكنية قبله. لذلك فإننا نتساءل عن سر حجبه حتى اليوم.
إذا لم نتمكن من حياكة الكود حتى الآن فعلى الأقل نعطي بعض الأجزاء المهمة منه والمتعلقة بسلامة المباني فقد طفح الكيل. وقبل أن يفوت الفوت فمدننا تشهد أكبر وفرة وحركة في البناء قد تكون الأخيرة ولكن من دون كود بناء. وهناك الآن أكثر من 100 شركة عقارية مساهمة مغلقة وعامة وأفراد وكل منها ستضخ سنوي ما لا يقل عن 100 وحدة سكنية وتجارية وصناعية ومن دون ضوابط أو كود بناء. حيث يلجأ الكثير من المستثمرين إلى استغلال حاجة المواطن إلى تنفيذ المشاريع السكنية والعقارية ومعظمها بتنفيذ تجاري رخيص بهدف الكسب السريع وبأرباح مهولة، وفي غياب كود البناء فإن التنفيذ يتم وفق مواصفات رديئة ورخيصة وباستعمال مواد بناء رخيصة وأنظمة سباكة وكهرباء رديئة. كما أن هذه الكثافة من الفلل والسكان في موقع واحد ستؤدي إلى وقوع كوارث الحريق وصعوبة إخلاء المنطقة مما قد يؤدي إلى كوارث وخسائر كبيرة في الأرواح.
وهذه الظاهرة تعد من الممارسات المشينة لمظهر المدينة والاقتصاد الوطني ومدخرات المواطنين، إضافة إلى ما تسببه للمواطن من خسائر مستقبلية تضطر المواطن إلى الترميم المتواصل لشبكات السباكة والتمديدات الكهربائية، مما يضطره إلى إعادة البناء مرة أخرى. وبذلك تكون التكلفة النهائية للمبنى أكبر بكثير مما لو قام بشراء منزل أجود مواصفات ولو بسعر أعلى.
ويعود السبب في ذلك إلى غياب الضوابط العمرانية وغياب كود البناء السعودي الذي يلزم المستثمرين بعدم النزول عن مستوى معين من الجودة والمواصفات. إن انتشار هذه الظاهرة ومن دون وجود كود للبناء أو تنظيم وتخطيط جيد لمواقع هذه المشاريع سيسيء إلى المظهر العام للمدينة وسيكون عبئا مستقبليا على المواطن والوطن.
لقد فقدت الأمل في مقالي السابق، وبعد عدة مقالات للتذكير وجدت أن لا حياة لمن تنادي. لقد قامت الهيئة منذ أعوام بعقد مؤتمر لكود البناء ولتوحيد المواصفات والمقاييس لأنظمة ومواد البناء. وهو أهم من مواضيعها الأخرى لمقاييس ورق العنب وأجهزة الجمباز والمراتب الرياضية أو المتطلبات الخاصة بفوانيس الطرق. ولكننا لم نر أية نتائج لذلك. وتساءلت عن دور الهيئة في تطبيق ومتابعة هذا الموضوع وجدوى الشركات الأجنبية لدراسة مشكلاتنا الذي حاولنا مراراً أن نسمع الجميع أهميته، ولكن مبادرة الهيئة ضربت بدور التخطيط والتنسيق المسبق عرض الحائط لمثل هذا الموضوع الحيوي المهم الذي يمس حياة كل أسرة. وكأن الموضوع يهم الهيئة دون غيرها أو محاولة العمل داخل قوقعة خوفاً من تدخل الآخرين ومثاقلتهم. وبعد مطالبتي أن يتم التمهيد لمثل هذا المؤتمر وإعداد مسودة له قبل فترة كافية من الزمن وأن يسبقه ثم يتبعه عقد مؤتمرات محلية لمناقشة مشكلات مواصفات مواد البناء مع المختصين سواء في القطاع الخاص أو العام وإرسال دعوات للمهندسين المختصين من القطاعين العام والخاص والمقاولين وعمل استبيانات وحلقات نقاش متخصصة. وما يتبع ذلك من عمل الأبحاث الميدانية لتقصي المشكلة وأبعادها وعمل الاستبيانات للمستهلكين لمعرفة آرائهم ومشكلاتهم. وأخيرا عقد المؤتمر ولكن لم ينته المشوار ولم تصل الرسالة.
وما زال المواطن يعاني من تعدد أنواع مواد البناء ويواجه بزخم كبير من أنواع الأدوات والمواصفات من كل بلد. فمخارج الكهرباء (الأفياش) متنوعة منها الدائري ومنها المستطيل ومنها ذو فتحتين أو ثلاث وفي المقابل فإن مقابس (مفاتيح) الأجهزة الكهربائية تكون أيضا مختلفة. وفي كل مرة تستبدل أجهزة لإن المخارج لا تتناسب معها مما يضطر المستهلك إلى المعاناة والبحث عن العمالة الأجنبية لتشغيلها في هذا المجال.
والأسوأ من ذلك عدم توحيد قوة التيار الكهربائي (الفولت) فهو تارة 110 ومرة 220. فمن يحس بمعاناة المستهلك؟ ولماذا يتكلف عمل التمديدات الكهربائية في منزله ومكتبه للنظامين واحتمال الالتباس للمستخدمين مما يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة من جراء حرق وإتلاف الأجهزة المنزلية أو حدوث التماسات الكهربائية. ولماذا لا يتم تحديد مواصفات جميع الأجهزة المستوردة بحيث تعمل على التيار الموحد وعدم إغفال أهمية التشجيع على استخدام نظام تفريغ الشحنات والصواعق إلى الأرضEARTHING .
إن تنظيم وتوحيد المواصفات لمواد البناء STANDARDAIZATION إحدى أهم ركائز الاقتصاد الوطني لمعظم الدول وأنجح الوسائل للتوفير وتقليص حجم المدفوعات والاستيرادات المتعددة وتوفير الوقت والمال لراحة المواطن. وهي أساس التخطيط للاقتصاد والترشيد الوطني إذ تعد من أهم الخطوات في عملية ملء الفجوة العميقة بيننا وبين العالم. وتهيئة المناخ استعداداً للخوض بخطى ثابتة في خضم الاتفاقيات الدولية.
إن مثل هذه الحلول قد تكون صعبة ولكن إذا سبقها تخطيط لعدم تكبد بعض التجار كساد بضائعهم التي سبق استيرادها وأن يتم تطبيق القرارات بطريقة تدريجية (سنتان إلى خمس سنوات)، ليتم التخلص مما لديهم تدريجيا، قد يمنع الضرر. وعلى أي حال فإن ما يعود به هذا الأمر للمجتمع من فائدة على المدى الطويل أهم بكثير من خسارة حفنة من التجار غير المبالين.
لقد تعب المواطنون من هذا التهاون في ما توجههم إليه الدولة، فهل نبقى تحت رحمة هذا التقاعس في موضوع مصيري ونستجديهم أو ننتظر مؤتمراتهم؟ ولماذا لا نبحث عمن هو أجدر منهم ليقوم بالعمل ويوفر الملايين على الدولة والمواطنين بدلا من الإهدار في مجموعة غير مبالية.

 

د. عبد الله الفايز  –  مهندس معماري ومخطط 16/06/1428هـ
===============================================
جريدة الاقتصادية – الأحد, 16 جماد ثاني 1428 هـ الموافق 01/07/2007 م – – العدد 5011

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *