من الاندثار إلى الاستثمار.. التجربة الواعدة بالمملكة العربية السعودية للحفاظ على التراث العمراني

لعل تزايد الاهتمام ورفع منسوب العناية بموضوع حماية التراث العمراني، والتعرف عليه بالمملكة العربية السعودية، هو أحد الجوانب الأكثر أهمية بانعقاد المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية، في الفترة بين 9-14 جمادى الآخرة 1431 هـ الموافق 23-28 مايو الماضي في قاعة الملك فيصل وأروقتها، بفندق الانتركونتننتال بالرياض، تحت الرعاية السامية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، المؤتمر الهام الذي ناقش قضية محورية، هي الحفاظ العمراني بمدننا القديمة بالعالم العربي والإسلامي، وخاصة أنوية المدن القديمة، الذاكرة والتاريخ.

من الاندثار إلى الاستثمار.. التجربة الواعدة بالمملكة العربية السعودية

 للحفاظ على التراث العمراني

 

بقلم: الأستاذ الدكتور فوزي بودقة

أستاذ التعليم العالي-مدير البحث بجامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا

 لعل تزايد الاهتمام ورفع منسوب العناية بموضوع حماية التراث العمراني، والتعرف عليه بالمملكة العربية السعودية، هو أحد الجوانب الأكثر أهمية بانعقاد المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية، في الفترة بين 9-14 جمادى الآخرة 1431 هـ الموافق 23-28 مايو الماضي في قاعة الملك فيصل وأروقتها، بفندق الانتركونتننتال بالرياض، تحت الرعاية السامية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ومبادرة حكومة المملكة ممثلة في الهيئة العامة للسياحة والآثار، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، المؤتمر الهام الذي ناقش قضية محورية، هي الحفاظ العمراني بمدننا القديمة بالعالم العربي والإسلامي، وخاصة أنوية المدن القديمة، الذاكرة والتاريخ. 

نسعى أن تكون هذه السطور باكورة مقالات علمية، فلقد عقدت العزم كأكاديمي وباحث في ميدان العمران والتخطيط العمراني، تخصيصها لتناول كنوز تراث فريدة، رأيناها بأم العين في المملكة العربية السعودية وبمنطقة الرياض، وتسليط الضوء على المكتشف من التراث العمراني، والتعرف على المعالم والمباني والقصور، التي تزخر بها أماكن عديدة من المملكة العربية السعودية، علاوة على تسليط الضوء على تجربة الهيئة العامة للآثار والسياحة، في تثمين التراث العمراني ورصده وإجراء المسح الميداني لهذه الأماكن، ووضع مسألة الحماية وصيانة التراث العمراني، على جدول أعمال الهيئة بالإشراف، والرعاية السامية لرئيسها سمو الأمير سلطان بين سلمان بن عبد العزيز.

دافعنا إذن للكتابة في الموضوع المطروح، يعود في الحقيقة إلى الانبهار الكبير للباحثين والأكاديميين من مختلف بلدان العالم، لدى مشاهدتنا لأماكن التراث، التي نظمت الهيئة العامة للآثار والسياحة، زيارات خاصة لها على هامش انعقاد المؤتمر، مدناً وقرى كاملة في محافظة المجمعة، وفي محافظة الغاط وواحات ومزارع النخيل والقصور الرائعة وأماكن الاستراحة التي تتخللها، لقد شاهدنا كنوزاً من التراث ومناظر طبيعية خلابة تحيط بها، كنا لا نعرف عنها الكثير، بل يكاد يجهلها معظم من شاهدها من الباحثين.

 من الاندثار إلى الاستثمار

تعكس معالم التراث العمراني ومفرداته هوية وأصالة، بل ونموذج حياة الشعوب في بلدانها ونماذج الحضارات المتعاقبة، كما يسمح لنا بالتعرف على تاريخ وثقافة المجتمعات المتعاقبة، وأنماط وطرق عيشها وأنشطتها ومدى تفاعلها مع الطبيعة، وتكيفها مع البيئة المحلية. وبهذا المعنى فإنّ التراث العمراني هو بمثابة الشاهد الحي، على تجارب الإنسان وإبداعاته، وتراثه العمراني مع مرور الزمن، وهو الشاهد الحسي في زمن العولمة، وما تحمله في ثناياها من إلغاء للهوية الوطنية وللثقافة المحلية، وتجريد البيئة المحلية من وسائل التنمية المحلية المستدامة، الأمر الذي يشكل الخطر الداهم على موروثاتنا وتراثنا العمراني، ما يتطلب حماية وصيانة تراثنا العمراني، وتأكيد أصالته بالاستفادة مما توفره، تقنيات وتكنولوجيا العصر من أدوات ، دون إهمال لهويتنا وبيئتنا المحلية.    

لعل في التجربة السعودية نموذجاً رائداً في حماية التراث العمراني، والسمو به من الاندثار إلى الاستثمار، بالنظر إلى وعي الهيئة العامة للسياحة والآثار، لما يحققه من أهداف رئيسية أهمها:

– أنه بمثابة مورد اقتصادي إضافي ثمين، يعزّز التنمية المحلية المستدامة.

– التنمية المحلية في المناطق التي تحتوي على مواقع التراث، ما يساهم في التخفيف من حدة الهجرة، نحو العاصمة الرياض والمدن السعودية الكبرى الأخرى، وبالتالي المساهمة في تحقيق التوازن العمراني بمختلف أنحاء المملكة.

– مورد سياحي ثري وثقافي غني.

– الحفاظ على هوية ينبغي تظهيرها في زمن العولمة المشتّتة للهوية الوطنية.    

 

مبادرات الهيئة العامة للسياحة والآثار

نعلم بخبرتنا العلمية والعملية في هذا المجال، أن المأسسة institutionalization باتت ضرورة، للتكفل بالمشاريع الكبرى، من خلال الفعالية وحرية الحركة والمبادرة، والتنسيق بين مختلف الهيئات والمؤسسات المتخصصة والمتجاورة الاهتمام في موضوعة التراث العمراني، وهنا تأتي أهمية بل ضرورة ربط خطط حماية وتجديد أماكن التراث العمراني وصيانتها، ضمن الاستراتيجية الشاملة للتخطيط العمراني، الذي يهدف من بين ما يهدف إلى تحقيق التكامل والانسجام بين مفردات التراث القديم، وكذلك التوافق بين هيكل البناء التقليدي وهيكل البناء الحديث (تجربة محيط حصن المصمك) بالتالي تحقيق وحدة وترابط التجمعات الحضرية موضوع الدراسة، دون إغفال المشاريع الخاصة للتكفل بحماية التراث العمراني.

 

 

 

تعليق واحد

  1. أستاذنا الفاضل، شكرا على هذا الطرح الجريء والإبداع الملموس، وهذا هو الفكر الجغرافي الراقي، لأنه من كانت له فكرة كانت له في كل شيء عبرة.ننتظر المزيد من إبداعك.تلميذك أبو انس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *