استراتيجية "التنمية العمرانية" ومتابعة التنفيذ!!

يبذل المسؤولون في وزارة الشؤون البلدية والقروية وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالعزيز وزير الشؤون البلدية والقروية جهوداً مخلصة في ضبط التنمية العمرانية للمملكة، ويحاولون موءامة بين الخدمات والتنمية العمرانية ولابد من سير الخدمات بخط متواز مع التنمية العمرانية وظهور مخطط جديد ومنظمة مكتملة الخدمات فسيحة الشوارع خالية من التلوث صحية الأجواء وذات استيعاب للكثافة السكانية ومن هذا المنطلق جاءت (استراتيجية التنمية العمرانية الوطنية) التي أعدتها وزارة الشؤون البلدية والقروية (وكالة الوزارة لتخطيط المدن) بجهود مخلصة ومتميزة من سعادة وكيل الوزارة لتخطيط المدن الدكتور عبدالرحمن آل الشيخ ومساعده الدكتور فريد شيرة وجميع طاقم الوزارة ومهندسيها ولا أشك للحظة واحدة أنهم بذلوا جهوداً كبيرة جداً للتنسيق مع الجهات الاحصائية والاقتصادية والجهات الخدمية لتقديم خطة تناسب النمو السكاني فقد أصبح لدى الوزارة خبرة كبيرة ورائدة على مدى سنوات خطط التنمية العمرانية السابقة (النطاقات العمرانية) وقد رأت على أرض الواقع مدى سير خطط التنمية العمرانية والثغرات التي حصلت فيها تماماً كمن يصنع آلة دقيقة من الصفر ولا يعلم في السابق عن مدى تشغيلها… اتضح صدور أصوات مزعجة منها أو اتضح أنها تلوث البيئة أو اتضح ان لا حاجة لمنتجاتها أو ان تكلفة صيانتها عالية أو ليس هناك قطع غيار لها أو ان الحاجة لها قليلة أو ان هناك حاجة لإنتاج أمثالها بشكل كبير.. ومن ثم تنتج هذه الآلة بحيث تتلافي جميع المشاكل السابقة التي كانت ستحتاج إلى (استشاري عالمي) متخصص لدراسة هذه المشاكل وسيدفع له ملايين الريالات لمعرفتها بل ربما لم ولن يعرفها مهما بذل.. أما الآن قد أصبحت هذه المشاكل واضحة للعيان ولا مجال للبحث عنها.. ولهذا فإن صاحب هذه الآلة أصبح خبيراً بتصنيع الآلات لأنه شاهد تفعيلها عن قرب بل ربما بامكانه اختراع آلات أخرى أو ان يكون استشارياً كبيراً بامكانه تقديم الاستشارات والملاحظات لمن يريد إنتاج آلات متشابهة.. وهذا تماماً هو خبرة مسؤولي وزارة الشؤون البلدية والقروية الذين تابعوا خططهم بشكل دقيق جداً وعرفوا الثغرات التي حصلت فيها على سبيل المثال ضيق عروض الشوارع التي لا تستوعب الحركة المرورية وبالتالي ضرورة وضع شوارع عريضة جداً لاستيعاب حركة المرور والمشاة حيث ان تعديل القائم منها سيحتاج إلى آلاف الملايين من الريالات في كيلو مترات معدودة حيث ان ذلك يتطلب نزع الملكيات التي كانت في السابق تحت ملكية الوزارة.. وهدم المجمعات السكانية وترحيل الخدمات وتعطيل حركة المرور ولا شك ان هذا سيحتاج إلى وزارة بحجم وزارة الشؤون البلدية والقروية لكي تنجح في هذه الإجراءات الجديدة.. ولكن وضع الاستراتيجية الصحيحة والقريبة من الواقع سيشطب كل هذا العناء وهناك لي بعض الآراء التي هي مجرد آراء شخصية أثق ان المسؤولين على علم بمعظمها، ولكن جهود الاستشاريين الأجانب قد لا تحيط بها نظراً لتداخل الظروف الاجتماعية المكانية للمملكة مع خطط التنمية وهذه الظروف الاجتماعية كالترابط الأسري هي شيء أساسي جداً عند إعداد خطط التنمية العمرانية.. أيضاً عدم وجود القناعات لدى قطاع كثير من الجهات الحكومية قد أوجد فراغاً هائلاً في هذه الخطة ومن هنا (أرى) ما يلي:

أولاً: ضرورة وجود آلية سريعة لتنفيذ خطة التنمية العمرانية وضرورة الالتزام بها.. فالخطة الجديدة لابد أنها أخذت في الحسبان ما حصل من ملاحظات، خطط التنمية العمرانية السابقة.. وعلى هذا فلابد ان يتم ردم الهوة السحيقة بين (استراتيجية تخطيط المدن) واستراتيجية الخدمات الأخرى التي لابد من ان تكون متوفرة في أي مخطط قبل الشروع في البناء عليه ولابد ان تكون (النطاقات العمرانية) والمخططات متزامنة مع الخدمات الأخرى ويسيران طبقاً لبرنامج زمني ومالي واحد.. فلابد ان تكون برامج الميزانية والاعتمادات المالية متساوية في الأولويات ما بين المشاريع المختلفة فليس من المعقول ان تكون أولويات خدمات السفلتة واعتماداتها المالية سابقة لاعتمادات شبكات المياه أو الصرف الصحي.. وفي حالة تنفيذ شبكات الطرق والانارة فكل

شبكات المياه والصرف الصحي فإن هذا يعني هدراً لا مبرر له نظراً لضرورة إعادة إزالة الشوارع المسفلتة وسفلتتها مرة أخرى.. وعلى هذا فلا بد لاستراتيجية التنمية العمرانية أن تضع في الحسبان وضع آلية دقيقة متزامنة التنفيذ مع الخدمات المهمة الأخرى وأعتقد بوجوب وضع مثل هذه الاستراتيجية من قبل جهة تجمع جميع هذه الجهات على طاولة واحدة وهي (وزارة التخطيط) التي يجب أن يكون لها دور أساسي في تنفيذ (الاستراتيجية العمرانية) ومتابعة تنفيذها بشكل دقيق (وسأعود إلى مثل هذا الدور لاحقاً لأهميته).

وأعتقد أن أهم عنصر خدماتي يجب توفره في مخططات التنمية العمرانية هو (الماء) الذي يجب توافره أولاً في أي نواة للنمو السكاني فهو نقطة الجذب السكاني الأولى التي يجب توفيرها ومن ثم النظر إلى الخدمات الأخرى مثل (الصرف الصحي، الكهرباء، الهاتف).. أما الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية وغيرها فيجب عدم التفكير بها حالياً حتى الانتهاء من قيام أندية مختلفة للاستيطان لجذب الزيادة السكانية الكبيرة والحد من الهجرة إلى المدن، وعلى هذا فلا بد لخطة (محاور التنمية العمرانية) التي اعتمدتها وزارة الشؤون البلدية والقروية من أن تكون متوافقة ومتطابقة تماماً مع (استراتيجية المياه) التي تعدها حالياً (وزارة المياه).. ولكن من الملاحظ صدور (خطة التنمية العمرانية) قبل صدور (الخطة الوطنية للمياه).. فاذا إذا كانت (خطة التزود بالمياه) مختلفة عن (محاور التنمية) التي بنيت عليها (الاستراتيجية العمرانية).. لا شك أنها ستكون حبراً على ورق.. فلا بد من وجود خطة للتزود بمياه الشرب والاستخدام المنزلي.. وأعتقد أن استراتيجية وزارة المياه تعتمد في الدرجة الأولى على إيجاد شبكة وطنية للتزود بمياه البحر المحلاة والتي هي الخيار الأقل تكلفة حسب تصريحات مسؤولي وزارة المياه.. أو أن خطة وزارة المياه هي (تخصيص قطاع المياه) وبالتالي إعطاء القطاع الخاص فرص انشاء محطات تحلية أو محطات تنقية وسط الصحاري.. وأعتقد أن عنصر التنمية الأكثر تحدياً لخطة التنمية العمرانية هو المياه.. فنحن على صحراء قاحلة تعاني من شح مصادر المياه.. بل إن بعض المناطق استنزفت مياهها بسبب استخدامها الجائر في الزراعة.. بل إن مياه التحلية ومحطاتها يمكن أن تكون مصدراً للطاقة الكهربائية يزود جميع مناطق المملكة عن طريق شبكة مترابطة.. وبالتالي فإن خيار التحلية وامداد جميع مناطق المملكة وصحاريها بمياه البحر المعدة يجب أن يتزامن معه شبكة للكهرباء.. أي أن أهم عنصرين للتنمية العمرانية والجذب السكاني يمكن توفيرهما بخطة واحدة ومن وزارة واحدة هي (وزارة المياه والكهرباء).

ب) الصرف الصحي:

وهذا العنصر يمكن تخصيصه واعتقد أن كل مواطن إذا قام بحساب تكاليف إنشاء بيارتين لمنزله بتكلفة حوالي ( 20.000ريال) إذا قام بدفعها أو دفع نصفها في سبيل إيجاد شبكة صحية ومتميزة للصرف الصحي فلن يمانع في ذلك.. لأن في هذا اراحة له من تكاليف نزح هذه المياه والذي كلف كثيراً من المواطنين أموالاً طائلة بل ودمر أساسات المنازل ولوثت البيئة الصحية للمدن حتى ولو كانت تجمعات صغيرة.. إنه لا بد من إنشاء هذه الشبكات والمحطات كعنصر يأتي بعد (المياه والكهرباء).. ولو فرضنا أن هناك 1000منزل في مخطط سكني صغير فإن دفع مبلغ 20.000ريال مساهمة في شبكة الصرف الصحي سيعني 220مليون ريال.. ولو فرضنا أن هناك 10.000وحدة سكنية ستبنى في مخطط سكني فإن هذا يعني مبلغ 200مليون ريال يمكن استغلالها في انشاء شبكة للصرف الصحي في مخطط حكومي.. أما المخططات الخاصة فإنه يجب إلزام أصحاب المخططات بإنشاء هذه الشبكة.. لقد كانت أموال المواطنين تذهب هدراً في إنشاء هذه البيارات ونزح المياه منها (نزف للاقتصاد الوطني) يزيد عليه تدمير الاسفلت والأرصفة التي تكلف البلديات أيضاً أموالاً في الصيانة.

ج) لقد صدرت الموافقة السامية على لائحة (التصرف في العقارات ابلدية) والتي تجيز للبلدية أن تسفلت مخططاً وتضع فيه جميع الخدمات (مياه، صرف صحي، سفلتة وإنارة، هاتف، كهرباء) مجاناً وبدون أن يكلف ذلك ميزانيتها ريالاً واحداً ودون أن يكون ذلك على حساب المواطن، وذلك بالتنازل عن جزء من المخطط الحكومي للمستثمر المطور للمخطط الحكومي.. ويتم حساب هذه النسبة حسب طبوغرافة الأرض وتكلفة الخدمات وسعر المتر المربع من هذه الأرض.. وقد يقول البعض أن ذلك سيكون على حساب المواطن حيث يتم اقتطاع جزء من المخطط الحكومي لحساب المستثمر.. ولكن على العكس من ذلك تماماً حيث ان المستثمرين سيقبلون على المزيد والمزيد من الأراضي الحكومية البيضاء التي هي أراض تم منحها للمواطنين ولم تتمكن البلديات من ايصال الخدمات لها.. وبالتالي اتاحة الفرصة لمزيد من المواطنين للحصول على أراض رخيصة تم ايصال الخدمات لها.. وايقاف سماسرة العقار عن المتاجرة بالأراضي ورفع أسعارها.. حيث ان اتجاه المواطنين إلى الأراضي والمخططات الخاصة سيكلفهم ذلك دفع "قيمة الأرض + قيمة الخدمات" وفي حالة المخططات الحكومية التي يتم استثمارها حسب لائحة التصرف بالعقارات البلدية سيحصل المواطن على أرض جاهزة مكتملة الخدمات مجاناً… والأرض التي يتم التنازل عنها للمستثمر يتم استثمارها كحدائق أو أسواق تجارية.. أو فلل نموذجية.. وبهذا فإن البلديات لا ترهق ميزانياتها بمشاريع السفلتة والرصف والإنارة بل يأتيها ذلك مجاناً.. وكذلك وزارة المياه.. وتستغل هذه الأموال التي تدفع لهذه المشاريع لأعمال الصيانة والتطوير الإداري للبلديات الذي ينعكس إيجاباً على أدائها وتطوير التخطيط وبرمجته.

ثانياً: لابد من البحث أولاً عن عناصر الجذب السكاني للمدن وتوفير هذه العناصر في مراكز النمو السكاني المقترحة حسب "الخطة الوطنية للتنمية العمرانية".. ولابد من دراسة "اجتماعية" لأسباب نمو المدن وتركز السكان عليها.. واعتقد ان السبب في ذلك هو:

أ- "توفر أسباب المعيشة – البنية التحتية".. وهذه يمكن توفيرها عن طريق استثمار المخططات السكنية الحكومية.

وأخيراً فإن هذه مجرد ملاحظات عابرة اتمنى أن أرى نقداً ورأياً للمسؤولين في وزارة الشؤون البلدية والقروية أو الجهات التنفيذية عنها.

م. عبدالعزيز بن محمد السحيباني

===============================
جريدة الرياض – الخميس 12 رجب 1428هـ – 26 يوليو 2007م – العدد 14276

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.