الأحياء المنسية في «جدة» تنتظر العلاج منذ أربعين عاما

95٪ من السكان غير سعوديين
الأحياء المنسية في «جدة» تنتظر العلاج منذ أربعين عاماً

 

منازل أقيمت بدون تخطيط

 

منازل أقيمت بدون تخطيط
تحقيق – سالم مريشيد: / تصوير – محسن سالم:
    الاحياء الشعبية كما يسميها معظم الناس او الاحياء العفوية كما ارادت الأمانة ان تسميها.. او الاحياء المنسية كما يسميها سكانها من المواطنين تمثل ظاهرة مقلقة ومشوهة للشكل العمراني في جدة..لانها قامت دون تخطيط.. وبشكل عشوائي وفي فترات متباعدة حتى اصبحت اليوم إحدى الظواهر التي تتطلب علاجاً سريعاً وعاجلاً لإخراجها من اوضاعها المتردية التي تعانيها.

واقع صعب

قمت بجولة على العديد من احياء جدة الشعبية او العفوية او المنسية التي تمتد بإمتداد جدة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً.. صدقوني لا يمكن وصف واقع تلك الاحياء المؤسف بالكلمات.. فالكلمات مهما وصلت من قدرة على الوصف لا يمكن ان تصور ما تعانيه تلك الأحياء من اهمال ونسيان.

المواطن صلاح المزمومي في حي العزيزية الشعبي شمال جدة قال: ان حال هذه الاحياء لا يمكن ان يصلح الا اذا تمت اعادة تخطيطها وفتحها.. لأن هذه الاحياء بوضعها الحالي لازالت منسية من اهتمام الامانة.. وتجد فيها الكثير من المخالفات التي لا يمكن وقفها في ظل استمرار وضع هذه الاحياء على ماهو عليه؟!.

وقال المواطن سعد محروس المولد في حي الفيصلية الشعبي: لقد نشأت هذه الاحياء نتيجة عدم اهتمام الامانة في جدة بإعطاء كل مواطن منحة ارض في المواقع التي تتوفر فيها الخدمات فأضطر الكثير من المواطنين المعدمين وغير القادرين على شراء ارض من المخططات المعتمدة التي يملكها التجار الى البحث عن وسيلة يمكن لهم ان يجسدوا من خلالها سكناً يعيشون فيه واسرهم ونتج عن ذلك هذه الاحياء العشوائية التي افرزتها هذه الحاجة.

وقال: ان امكانية علاج مشاكل هذه الاحياء لا يمكن ان تتحقق الا عن طريق قرار حاسم وعملي.. وليس مجرد دراسات ووعود لا تلبث ان تتحول الى الادراج.. ويتكرر الحديث عنها كلما جاء امين جديد للامانة.. ولكن دور عمل اي شيء يذكر!!.

المواطن محمد احمد الجهني من حي مشرقة قال ان الظاهرة العجيبة في جدة انه لا يوجد حي منظم ومخطط في جدة خاصة في الشمال إلا وتجد الى جواره حي عشوائي او عفوي مما يفقد المدينة الجمال العمراني.. والتخطيطي.. وهذا يحتاج الى علاج عاجل لأن جمال المدينة لا يمكن ان يكتمل الا عندما يتم تخطيط هذه الاحياء العشوائية خاصة في جمال جدة ويجعلها تتناغم مع الاحياء المخططة المجاورة لها.

الصورة التي عليها الاحياء العفوية في جدة بائسة.. ومفعمة بالقبح والتشويه.. وتعتبر بقع سوداء في وجه المدينة.. فالازقة في الكثير من هذه الاحياء لازالت ترابية تفوح من اعماقها روائح التلوث والعفونة.

وفي الكثير من هذه الاحياء تجد السلالم وعتبات البيوت تخنق الازقة وتزيدها ضيقاً.. وفي وسط هذه الاحياء تجد العديد من المشاغل ومحلات الخياطة والمطاعم والافران والبقالات ودكاكاين الحلاقة وغيرها التي اقامها العديد من الوافدين بعيداً عن انظار الجهات المسؤولة واتاحوا من خلالها العمل للكثير من المخالفين من ابناء جنسهم الذين تحتضنهم هذه الاحياء.

المخالفات تجدها في كل موقع من هذه الاحياء مثل زيادة ادوار المنازل دون ترخيص.. والزحف على الشوارع.. والكثير من هذه البيوت مهجورة ومهملة مما يجعلها مكاناً منسياً يأوي اليه المفسدون.. ممارسة الكثير من الاعمال المخالفة.. واوكاراً لتجميع المسروقات وتفريخ اللصوص!!.

3٪ سعوديون فقط؟!!

لا تكاد تدخل حياً من هذه الاحياء العفوية في جدة.. حتى يتبادر الى ذهنك انك خارج المملكة.. فأكثر من 95٪ من سكان هذه الاحياء من غير السعوديين ومعظمهم من المخالفين لانظمة الاقامة الذين يجدون في هذه الاحياء مكاناً مناسباً لاستمرار تكرار تخلفهم عن العودة الى بلادهم بعد ادائهم الحج او العمرة التي يأتون باسمها الى المملكة.. ومن ثم يجدون من ابناء جنسهم من يوفر لهم الاستضافة ويوفر لهم امكانية البقاء والاقامة وسط عزب هذه الاحياء العشوائية التي تحتضن هؤلاء العزاب بسبب رخص ايجاراتها وصعوبة الدخول اليها.

السيد محمد عودة قال: ان معظم المنازل في هذه الاحياء لا يمكن ان يسكن فيها الا هؤلاء العزاب من العمالة الوافدة والمخالفين لنظام الاقامة.. لأن معظم تلك المنازل مهملة ومشوهة وعبارة عن اكوام من الحجارة المرصوصة التي لا تتوفر فيها ابسط مقومات المنزل المناسب.. ولكن ما يهم هؤلاء هو البحث عن اي مكان رخيص يتجمعون فيه حتى لا ينفقون الا القليل من دخلهم!!.

واكد مواطن آخر ان معظم سكان هذه الاحياء من غير السعوديين، وأن نسبة السكان في معظم هذه الاحياء لا تتجاوز 3٪ خاصة في احياء شرق جدة.. ومعظم السكان الذين يقطنون في هذه الاحياء غالباً ما يكونون من الفقراء.. او صغار الموظفين وهم الذين يعانون من وجود هذه الكثافة العمالية.. لأن الكثير من اصحاب تلك البيوت الشعبية – المؤجرة على هؤلاء العمالة – لا يتواجدون في تلك الاحياء، ولا يدرون ما يجري في بيوتهم من مخالفات.. ويفترض ان يكون لعمد الاحياء دور في تصحيح اوضاع هذه البيوت والحد من المخالفات التي تمارس فيها.

المداهمات تكشف المستور

المداهمات االامنية التي تنفذها شرطة محافظة جدة لملاحقة مخالفي نظام الاقامة، واوكار الفساد والاجرام في هذه الأحياء العفوية كشفت الكثير من المخالفات التي تحتضنها هذه البيوت والتي يقوم بها الكثير من العمالة الوافدة بعيداً عن انظار الجهات المعنية مستغلين اوضاع هذه الاحياء وصعوبة كشف ما يجري فيها بسبب انغلاقها، وضيق المداخل اليها.. وسيطرة الوافدين على مساكنها.

فالكثير من هذه البيوت خلال المداهمات ظهر انها حولت الى مصانع للخمور والعرق المسكر وبعضها حولت الى اماكن لإعداد الكثير من الاطعمة والحلويات بطرق غير صحيحة، وغير سليمة عن طريق استخدام المواد الغذائية المنتهية الصلاحية في اعدادها، ومن ثم بيعها للناس.. والكثير من هذه البيوت اصبحت اوكاراً للصوص، والمجرمين والمشعوذين والدجالين الذي يستقبلون ضحاياهم في هذه البيوت بعيداً عن انظار الجهات الامنية مستغلين وضع هذه البيوت في تنفيذ

جرائمهم واعمالهم.

المواطن سعد مسعود الاحمدي طالب بضرورة مشاركة مندوب من البلديات الفرعية في المداهمات التي تنفذها الجهات الأمنية على هذه الاحياء ليكتب تقريراً عن وضع هذه الأحياء.. واوضاع بيوتها والخدمات فيها لتكون هذه المداهمات مقيدة من عدة جوانب أمنية وبلدية في آن واحد.

(علاج المشكلة)

الدكتور عبدالقادر علي مراد رئيس قسم التخطيط الحضري والاقليمي بكلية تصاميم البيئة بجامعة الملك عبدالعزيز أكد على ضرورة إصلاح وضع هذه الأحياء العشوائية في جدة والتي يزيد عددها عن اربعين حياً تعتبر ندباً مشوهة للنمط العمراني في المدينة.

وقال: إن تمدد هذه الاحياء وكثافتها تعتبر من الظواهر التي تنفرد بها مدينة جدة.. الاحياء لا تنحصر في موقع واحد.. وانما تنتشر في مختلف انحاء المدينة.. وهذا مما يضاعف في ضررها واثرها الواسع في تشويه النمط العمراني للمدينة.. وقد اجريت دراسة لمعرفة خصائص ومواقع هذه الاحياء باستخدام تقنية نظم المعلومات الجغرافية.. وقد اثبتت الدراسة إن انتشار هذه الاحياء بالنسبة لجدة ينقسم إلى عدة أقسام:

– احياء عشوائية داخل المدينة

– احياء عشوائية في المناطق المحيطة بالمدينة.. وهذا يعني أنها لا تتركز في موقع محدد.

وأوضح الدكتور ان علاج مشكلة هذه الاحياء يتطلب تعاون الدولة والقطاع الخاص من اجل رفع مستوى هذه الاحياء من الناحية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية.. عن طريق استخدام نظم المعلومات الجغرافية في ادخال وتحليل جميع المعلومات العمرانية في هذه المناطق وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والسكان في هذه الاحياء العشوائية.

وقال: إن حالات المباني في هذه الاحياء تنقسم إلى ثلاثة انواع من المباني 20٪ من المباني حالتها جيدة، 30٪ حالتها متوسطة، 50٪ حالتها رديئة ولا تصلح للسكن، وخصائص السكان في هذه الأحياء بصفة عامة تعاني من انخفاض المستوى التعليمي، وانخفاض مستوى الدخل، وسكانها من جنسيات مختلفة الغالبية منهم من غير السعوديين.

وأوضح الدكتور مراد ان الدراسة خلصت إلى ان توزيع هذه الاحياء في جدة كان على النحو التالي:

– 9٪ احياء داخل المدينة

– 37٪ احياء في مناطق متوسطة بين الاحياء والطريق الدائري السريع.

– 54٪ الاحياء الخارجية شرق وشمال الخط السريع.

(500 الف مسكن نصفها غير صالح)

وبين الدكتور عبدالقادر مراد ان الدراسة اخذت ثلاثة احياء عفوية كنماذج وهي بني مالك وغليل والمرسلات.. واتضح ان المباني غيرالصالحة للسكن في هذه الاحياء على النحو التالي في غليل 47٪ وفي بني مالك 49٪.. وهي من الاحياء المكتظة بالسكان.. والتي تزيد الوحدات السكنية فيها عن مائة الف وحدة سكنية الكثير منها مقام على مساحات صغيرة من الارض.

وقال الدكتور مراد إنه يتوقع ان لا تقل الوحدات السكنية في احياء جدة العشوائية عن نصف مليون وحدة سكنية اكثر من 50٪ غير صالح للسكن بناء على مادلت عليه دراسة وأكد على ضرورة ان تضع الجهات المعنية خطة لتطوير هذه الاحياء واخراجها من واقعها العمراني العشوائي لأن ذلك سيساهم في تطوير مستوى سكانها سواء من المواطنين أو الوافدين.

(الاستفادة من تجربة تطوير جبل عمر)

المهندس كمال عباس قال: ان له تجربة مريرة مع هذه الاحياء العفوية عندما كان يعمل في امانة جدة في عهد امينها معالي الدكتور المهندس محمد سعيد فارسي فقد قررت الامانة آنذاك فتح شارعي المكرونة والأمير ماجد باتجاه الشمال واصطدمت بوجود عدد من الاحياء العشوائية في طريقها.. ولكن الامانة آنذاك استطاعت ان تخترق الاحياء العفوية التي اقيمت.. وسيكون الوضع في جدة اليوم على اسوأ ما يكون لأهمية هذين الشارعين في حركة المرور في جدة في الوقت الحاضر.

وقال: إن حل مشكلة هذه الاحياء العفوية في جدة لا يتحقق من خلال الاماني والدراسات والوعود فقط.. وانما يجب ان يخرج من إطار الدراسات والوعود للتنفيذ الفعلي.. وامام امانة مدينة جدة تجربة ناجحة يمكن ان تستفيد منها.. وهي تجربة تطوير جبل عمر في العاصمة المقدسة.. فلو طبقت هذه التجربة على احياء جدة العفوية فإن هذا سيحقق الكثير من النتائج الايجابية.

واضاف: لماذا لا يكون في جدة شركة للتعمير تقوم بالمساهمة في تطوير هذه الاحياء.. واخراجها من واقعها البائس وفتحها بمشاركة الدولة والقطاع الخاص.. والسكان في هذه الاحياء الذين متى أدركوا أن هذا التطوير سيعود عليهم بالفائدة فلن يترددوا في القبول به والترحيب به.

(السكان السعوديون)

المهندس يوسف محمد صعيدي قال: إن هذه الاحياء بوضعها الحالي تمثل نقطة سوداء في وجه محافظة جدة.. وعلاج هذه المشكلة يتطلب وضع خطة عملية يتم تنفيذها على مراحل تبدأ بالأحياء التي وسط المدينة.. وتنتهي بالاحياء التي في اطرافها.واضاف: يجب ان تبدأ الخطوة الأولى بحصر السكان السعوديين الذين يعيشون ويسكنون في هذه الاحياء.. والاجتماع بهم عن طريق الجهات المعنية والمجلس البلدي.. وبحث عناصر تطوير هذه الاحياء معهم.. وتعريفهم بالفوائد التي ستعود عليهم من خلال تطوير مبانيهم.

وأوضح المهندس الصعيدي: ان السكان متى أدركوا ما سيحققه هذا التطور فإنهم سيرحبون به. فالمواطن السعودي الذي يسكن في بيت متهالك في هذه الاحياء إذا عرف أنه بعد تطوير الحي ستصبح له شقة واسعة في احد المنشآت التي ستقام في الحي يعيش فيها مع اولاده.. بالإضافة إلى نسبة من دخل المنشأة لن يرفض القبول بالتطوير.

واضاف المهندس الصعيدي يجب ان تعالج مشاكل هذه الاحياء مع حفظ حقوق سكانها من المواطنين.. لأن الكثير من هذه الاحياء في مواقع ذات قيمة مالية كبيرة.. وتطويرها سيعود بمردود كبير.. ويجب ان يكون السكان شركاء في استثمار هذا المردود بعد وضع الدراسات والتطورات التي تفيد جميع الاطراف المشاركة في هذا التطوير الذي لاشك سيريح عن جدة مشكلة كبيرة تتمثل في هذه الاحياء العفوية وما تعانيه من ترهل وقبح!!

جريدة الجمعة 28 ربيع الآخر 1427هـ – 26 مايو 2006م – العدد 13850

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.