الحلقة الثالثة: المدينة الإسلامية، و إشكالية المنهجية

المدينة الإسلامية: ردود على السيد وليد

 

الحلقة الثالثة: المدينة الإسلامية، و إشكالية المنهجية

 

د. مصطفى بن حموش

 

أستاذ مشارك، عمارة إسلامية

 

بجامعة البحرين

 

mbenhamouche@eng.uob.bh

 

الدين كعنصر فاعل في إنشاء المدن

 في حده الأدنى كان للدين حضور قوي في المدن القديمة من خلال الأحكام الشرعية التي تضبط المعاملات و السلوك الاجتماعي. و قد أضحت دراسات تأثير التشريع الإسلامي في المدن عند المختصين في هذا المجال أمورا كلاسيكية في مجال الدراسات العمرانية الإسلامية لما نشر في هذا المجال من رسائل جامعية و مخطوطات معتبرة حول موضوع التشريع و أثره في البيئة العمرانية. و يكون بالتالي الرافض لهذا البعد في العمران الإسلامي كمن ينفخ في الشمس ليطفئها. فمن ذلك المخطوطات المحققة المتداولة في السوق: "الإعلان بأحكام البنيان" لابن الرامي التونسي، و "الجدار أو القضاء بالمرفق" لعيسى بن موسى التطيلي الأندلسي"، و "قسمة الأراضين" للعباس النفوسي الإباضي، و "رياض القاسمين" للقاضي العثماني الحنفي كامي أفندي، و "مسائل الحيطان" للمرجي الثقفي. أما عن محتواها فإن اطلاعا سريعا على فهارسها و محتواها يقودنا إلى الإلمام بأهم عناصر العمران و البنيان و عدم انفكاكها عن أحكام الشريعة، بحيث لا يمكن فهم هندستها إلا عن طريق تلك الأحكام. و من ذلك مسائل الجدران  و الأراضي و البنايات و الشوارع و أسوار المدينة و البوابات و حقوق الجوار و قسمة المياه و التصريف الصحي التي تكفي قارئها للاقتناع بتعرض الفقهاء و القضاة لأغلب مسائل العمران. فإذا كانت هذه العناصر لا تمثل العمران فإن المختص في هذا المجال سيحتار في تحديد مصطلح "المدينة" و "التخطيط" كما يراه السيد وليد. و مع ذلك فإن بروز هذا المجال من البحث لا يعني اقتصار موضوع "المدينة الإسلامية" على تأثير التشريع والفقهي و إنما هو بداية الاهتمام بالمحور الجوهري و هو أثر الإسلام بمختلف أبعاده في المدنية، و هو ما يتطلب أجيالا لاحقة لاكتشاف تلك الأبعاد في العمران.لكنه في حضور العوامل الفاعلة الأخرى في التشكل العمراني مثل خصوصيات الموقع و السوابق التاريخية و معطيات التراث و سبل المعيشة و الخبرة المحلية في تقنيات البناء كثيرا ما يتعرض عامل الدين الإسلامي إلى التقليص أو التهميش نتيجة الاهتمام المتزايد و المفرط بإحدى العوامل الأخرى.  فلا أحد يمكن أن ينكر دور المناخ الحار و جغرافيا المدن الصحراوية مثلا أو أثر الترسبات التاريخية الحضارية في نمو المدن القديمة السابقة للإسلام مثل حلب و دمشق و شرشال في الجزائر. غير أن هذا التضارب المصطنع أو تضخيم عامل من هذه العوامل على حساب الأخرى يمكن رفعه بسهولة عند اعتبار المدينة كناتج متظافر لكل تلك العوامل، و هو ما قام به الباحث الأنتروبولوجي أموس رابوبور في كتابه الصغير والمشهور الذي جعل من العنصر الثقافي عنصرا فاعلا رئيسيا، في مقابل العناصر الأخرى التي تكون حاضرة و مؤثرة. إن تأثير البيئة و التاريخ و التركيب الإثني و الاجتماعي و النشاط الاقتصادي و خصوصية المكان المورفلوجي في المدينة لا تنفي إذن أثر الدين الإسلامي ذلك العامل الحضاري التجانسي المشترك بين مدن المسلمين المتنوعة تاريخا و ثقافة و موقعا. لقد نجح الإسلام في استيعاب الأبعاد المكانية و الزمانية و توفير الإطار المرن للمجتمعات المتنوعة و المختلفة لتحافظ على هوياتها تحت السقف الأكبر للحضارة الإسلامية. فقد وضع الفقهاء مثلا  التجارب البشرية السابقة و الاختلاف التنوعي بين المجتمعات المسلمة ضمن أبواب أصولية فقهية كبيرة منها الاستصحاب و العرف الذي كتب عنه الأستاذ بسيم حكيم. فلم يقدم المسلمون حين دخلوا الحواضر الكبرى مثل المدائن أو القدس أو دمشق بهدم تلك المدن و إقامة مدن على أنقاضها. بل إنهم استفادوا من تلك الخبرات و ذلك التراث الموجود و انطلقوا منه لتطويره و تنقيحه، ثم الإبداع فيه. و لذلك فإن "المدينة الإسلامية" عرفت تطورا تطبيقيا متتاليا عبر العصور باستيعابها للتجارب العمرانية السابقة. فلم تتحول مدينة الكوفة التي بنيت في عهد عمر ابن الخطاب كما وصفها ابن جرير الطبري بدقة في تاريخ الأمم والملوك إلى تجربة مقدسة أو نموذج جامد تكرّر تصميمه في كل البلدان الإسلامية الأخرى و في العصور العثمانية المتأخرة. من جهة أخرى فقد انقلبت الكثير من الأحكام و التشريعات و المعتقدات الإسلامية بحكم التطبيق و التبني لدى السكان إلى معايير و ضوابط ذاتية، و من ثمّ أصبحت عاملا مؤثرا في سلوك الإنسان المتشبع بها. لقد أصبح مذعنا لها بوازع الاعتقاد الداخلي دون أن تملى عليه من قِبل الجهات الخارجية كالحاكم أو السلطات العامة. و قد  أثرت بدورها في الممارسة العمرانية و السلوك الفردي والمجتمعي في أنشطة البناء و التعمير و في طريقة استعمال الفراغ المعماري والعمراني و بالتالي في شكل المدينة. و تشكل هذه السلوكات مادة غنية لأهل التخصص خاصة في مجالات الأنثروبولوجيا و علوم الاجتماع العمراني، بل و في التخطيط العمراني الذين يعتقدون  بوجود عقل إبداعي جماعي و خبرة عملية لدى السكان و انعكاس السلوك البشري و النظام الاجتماعي في البيئة العمرانية. إن هذا التفسير بالطبع لا يخص المسلمين،  بل إنه تنطبق على عمران كل تجمع بشري له دين معيّن يؤثر في سلوكه اليومي و تركيبته الاجتماعي حيث ينتهي إلى نظام تخطيطي و تشكيل للفراغ الحضري و الحيز المعماري و إنتاج الرموز و الجماليات و اختيار الألوان و غير ذلك من أوجه التمدن. و من البديهي أن تختلف الجرعة الدينية بين مدينة و أخرى و حضارة و أخرى بحسب طبيعة الدين وامتداده الاجتماعي والثقافي. و من هذا المنظور لا ضير أن نصنّف المدن بحسب الدين الغالب فيها إلى بوذية و هندوسية و مجوسية و مسيحية و غيرها بقدر تأثير دين مجتمعها فيها و هو ما حاول الباحث الفرنسي كلود ليفي ستراوس تتبعه في دراساته الميدانية. و سنرد فيما بقي من الدراسة بعض التأثيرات الأخرى للإسلام كعامل حضري فاعل على المدينة. فعلى مستوى السلطة العامة، تحوّلت ممارسات إسلامية إلى مؤسسات تدير المدينة. فقد كان للحسبة التي يعود أصلها إلى مبدأ "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر" إلى إدارة تراقب المدينة و تصحح الإنحرافات ليس في الجانب الأخلاقي فحسب بل في الممارسة العمرانية لحفظ حسن سير الحياة المدنية. و قد أدرك المستشرق ليفي بروفانسال التأثير العميق لمؤسسة الحسبة في المدن الأندلسية من خلال تحقيقه لثلاث رسائل أندلسية في الحسبة. فكتب الحسبة المشهورة مثل "معالم القربة في أحكام الحسبة" لمحمد بن محمد بن أحمد القرشي المعروف بابن الأخوة (648/1250-729/1329) و "نهاية الرتبة في أحكام الحسبة" لعبد الرحمن ابن نصر الشيزري (ت589هـ) و "نهاية الرتبة في طلب الحسبة" لابن بسام المحتسب و غيرها تفصل ما على المحتسب القيام به في الشأن العمراني من مراقبة الشوارع و الأجنحة و الأسوار و تنظيم الأسواق. كما كانت لمؤسسات الأوقاف التي تقوم على مبدأ الصدقة الجارية أهميتها القصوى في توفير الخدمات العامة مثل الماء و تعبيد الشوارع و المرافق الاجتماعية  و الثقافية و التربوية و الدينية في كل المدن القديمة بما يقدمه أفراد المجتمع من تبرع بعقاراتهم في سبيل المصلحة العامة و ذلك بدافع الأجر و الثواب. و قد حققت المؤسسات الوقفية بنظامها المالي ما يعرف حاليا بالتنمية المستدامة و العمران التساهمي الذي اهتدى إليه الباحثون في العمران بعد تجارب و تعثرات مرت بها مدارس التخطيط العصري. كما كان للوقف أثره الهندسي في حفظ المباني العامة من التبديل و التغيير حيث كانت تتمتع بالصيانة السنوية و الحماية من التغيير وفق شروط الوقف. و لم تقتصر مدن المسلمين على هاتين المؤسستين المشهورتين، و إنما كانت هناك مؤسسات أخرى عديدة يعود أصلها كلها إلى نظام الشريعة الإسلامية. فقد كان لمؤسسات القضاء الشرعي و قسمة التركات حسب ما هو معمول به في نظام الميراث الإسلامي و مؤسسة المظالم و مجالس الصلح و نقابات الحرفيين أثرها في تشكل المدينة و إدارتها  و جودة بيئتها الحضرية.    و يقدم لنا التاريخ  نماذج كثيرة لقرارات اتخذت من قبل الخلفاء و الحكام باعتبارهم أعلى سلطة ترتبط بالعمران و تنبع من الاجتهاد الديني في تحقيق مصالح المسلمين. ففي رأي الماوردي و ابن تيمية و ابن خلدون أن الخلافة موضوعة لحماية الدين و إدارة شؤون الدنيا به. و من أمثلة ما يقدمه لنا الطبري في تاريخه حول إنشاء الكوفة هو إعطاء الخليفة عمر ابن الخطاب الأوامر لبناء المدينة وفقا لمواصفات تتعلق ببناء المسجد و دار الإمارة و تحديد صحن المدينة و سعة  الشوارع  و الخطط. و حين احترقت المدينة التي كانت في البداية مبنية بالقصب، رأى الناس أن يبنوا باللبن و الحجارة و أن يتوسعوا في البناء، فاستشاروا بذلك الخليفة الذي رد عليهم بقوله: افعلوا، على ألا يزيد أحدكم عن  ثلاث غرف، و ألزموا السّنّة تلزمكم الدولة. فقد ربط استمرار دولة الإسلام باستمرار الالتزام بالسّنّة. و قد يتساءل المخططون والمعماريون عن دور مهنتهم في المدن القديمة. و الواقع أن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسات تفصيلية أخرى. فالمعلوم أن البنائين و أهل الحرف عموما كانوا ينتظمون في طوائف متنوعة و كانوا يتولون شؤون البناء و الصيانة. ففي العهد العباسي مثلا كان للصناع و البنائين دور مهم في إنشاء مدينة بغداد الدائرية. كما كان في العهد العثماني منصب المعمار باشي و جماعة المعلمين البنائين. كما كان لهم دور مهم لدى المؤسسات القضائية في فض النزاعات و تقدير قيم العقارات و غير ذلك مما يطلب من أهل الخبرة.

و قد ترد هنا شبهة وجود أقليات بل و حتى أكثريات غير مسلمة في بلاد الإسلام و في مدينة المسلمين كما هو حال القدس أو دمشق أو غيرها، مما قد يوحي بتقييد صلاحية نظرية ارتباط العمران بالإسلام أو تسمية "المدينة الإسلامية". من الطبيعي بداية أن نعترف أن العبرة في العلوم الإنسانية و استعمال مصطلحاتها بالغالب، و ليست بالصرامة المطلوبة في العلوم الدقيقة مثل الفيزياء والرياضيات. فقد تتخلف بعض التفاصيل و الحالات عن القاعدة العامة التي يؤسسها عالم الاجتماع أو التاريخ أو أي علم من العلوم الإنسانية.  فأغلب المدن كان يسكنها مسلمون ملتزمون بأحكام دينهم و مذعنون لها طوعا. أما المدن التي كان فيها غير المسلمين، فأحكام  أهل الذمة معروفة في الفقه و الكتب السلطانية بعضها نصوص مباشرة و أخرى آراء اجتهادية، و هي من الأبواب الخاصة في فقه العمران الإسلامي. لقد كانت بعض مدن المسلمين القديمة تضم أحياء سكنية لأهل الذمة و كان لهؤلاء الاستقلالية التامة في شؤونهم الداخلية و أماكن عباداتهم، و كانت مع ذلك تعرف بدار الإسلام، و هو حال مدن الشام و الأندلس أين كان الاحتكاك مكثفا مع الديانات الأخرى. و قد تطور خلال تلك التجربة العثمانية فقه أهل الذمة الذي جاء نتيجة تواجد عدد كبير من المسيحيين واليهود تحت الحكم العثماني. و يبقى المجال مفتوحا للاجتهاد في استنباط الأحكام المناسبة شرعا و واقعا لأوضاعنا المعاصرة.

 

المدنية الإسلامية و الأخطاء المنهجية

 كثيرا ما يتوجه الباحثون عند دراستهم للمدينة أو العمارة الإسلامية مباشرة إلى تحليل المدن العتيقة  مثل القاهرة و دمشق و بغداد و تونس و تلمسان و فاس و غيرها أو المباني المشهورة مثل مسجد دمشق أو قصور الأمويين أو المباني الأندلسية أو العثمانية. و كثيرا ما يستنبطون الأحكام النهائية بناء على شواهد من  تلك المدن المورفولوجية فيعممونها في شكل قواعد للتخطيط العمراني و التصميم المعماري باسم الإسلام. من المؤكد أن المدن والعمارة القديمة تحمل الكثير من المميزات التي ترتبط بالإسلام و من ثمة اعتبارها أنها تعكس إلى حد كبير الجانب التطبيقي لمفهوم "المدنية الإسلامية". لكنه من حيث المنهجية، ليس كل ما تميزت به هو عين المتطلبات الإسلامية. فهي من جهة مرتبطة بزمان و مكان معيّنين،  و من ثم فهي  لا تعبّر بالضرورة عن متطلبات "المدنية الإسلامية" بإطلاق. و من جهة أخرى هي اجتهاد بشري لمجتمع ارتبط بالإسلام على العموم دون التفصيل ضرورة. فكما أن تصرفات أي مسلم لا تعبر بالضرورة عن الإسلام فكذلك إنتاجه  العمراني. و لذلك فإن دراسة "المدنية الإسلامية" من باب التراث منهج خاطئ، كونه يؤدي إلى نتائج غير دقيقة. و لعل الأسوأ الذي يحدث نتيجة هذا المنهج هو إضفاء الشرعية الدينية على عناصر معمارية و عمرانية أو تصرفات هي محل نقاش أو خلاف أو قد تكون مصادمة لنصوص الشريعة أو روحها. و من أمثلة ذلك إنشاء المدن الملكية، مثل بغداد الدائرية، و إنشاء المركبات الدينية على أضرحة أولياء أو شخصيات، مثل تاج محل، و قبول تماثيل للحيوانات أو الشخصيات أو تصوير أحياء على جدران المباني، مثلما في قصر الحمراء و القصور الأموية بالشام.  أما الخطأ المنهجي الآخر فهو البحث عن "المدينة الإسلامية" من خلال نصوص و آيات قرآنية ذات علاقة بالعمران والبناء. فالكثير ممن تستهويهم  دراسة المدينة الإسلامية و يعيقهم الإلمام بالعلوم الشرعية يختارون أقصر طريق لتعويض ذلك القصور بالتوجه مباشرة إلى النصوص و ترصيصها و إبداء نوع من التعالم بذكر الراوي و السند و الصفحة ليقال أن صاحبها على اطلاع بعلوم الحديث. لكن ذلك في الغالب يؤدي إلى الرؤية المجزأة المفككة و الاستنتاجات غير المعقولة التي تصادم روح الدين الإسلامي. فالأحاديث التي ترهب المسلم من البناء مثلا لو فهمت منعزلة لأوحت لقارئها  بأن الإسلام يمنع العمران و البناء. فقد جاء في الأحاديث أن "كل البناء على صاحبه وبال إلا ما لا، إلا ما لا". كما يروي عن أحد الصحابة قوله: مرّ علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن نعالج خصّا لنا فقال:" ما هذا ؟ فقلنا قد وهى فنحن نصلحه. قال:" ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك "!فصريح الحديث قد يوحي بأمر الدين الإسلامي للمسلمين  الانصراف عن العمران و البناء المتين،  و حثهم على الزهد و بناء النفوس البشرية وتطهيرها من متعلقات الدنيا الزائلة.
و قد تتعارض لدى الباحث وفق هذا المنهج الخاطئ، الأحاديث الناهية المذكورة مع أحاديث أخرى و آيات قرءانية تأمر برفع بيوت الله، و توصى المسلم بالدعاء بالتوسعة. فقد جاء مثلا عن سعد بن أبي وقاص (ض) عن الرسول (ص): "أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق "، و قد جاءت أدعية بما يشبه هذه الصيغة.إن الإلمام بأبعاد العمران  الإسلامي لا يتأتى بتتبع النصوص المجزأة، و إنما يأتي بالعلوم الاستقرائية التي تجمع النصوص في نسق بنائي شامل و محكم. و لعل أهم العلوم الشرعية التي يجب على الباحث في المدنية الإسلامية خوضها هي مقاصد الشريعة التي تعطي الكليات العامة التي يقوم عليها التشريع، و كذلك أصول الفقه التي تعطي الوسائل و الطرق التي ينتهجها العلماء لاستنباط الأحكام، ثم النظريات الكبرى و القواعد الفقهية التي تنضوي تحتها الكثير من النصوص الجزئية. كما تقدم مدرسة أسلمة المعرفة المعاصرة التي تبني رؤيتها على المنهج الاستقرائي العام للإسلام من خلال نظريات التوحيد و الاستخلاف و الاستعمار (بالمفهوم القرءاني لا التاريخي) و الأمة مصدرا واعدا لقراءة عمرانية جديدة. و كما أن المدينة المعاصرة هي حاليا مجال تقاطع بين عدة تخصصات و ليست حكرا على المخططين والمعماريين، فكذلك المدينة الإسلامية يمكن أن تؤتى من عدة مستويات و من مختلف الاتجاهات خارج نطاق الدراسات الشرعية و الفقهية المذكورة. فالمدينة كائن سياسي يعكس علاقات الحاكم بالأمة و صلاحياته في الحكم و الأمر و مسؤوليات الفرد تجاه المجتمع و التي توسع فيها الفقهاء و المفكرون كثيرا بغرض التأصيل للنظام السياسي الإسلامي أو ما يسمى بالسياسة الشرعية و الأحكام السلطانية. و هي كائن اجتماعي و ثقافي يجسد روابط القرابة و اللغة و المعتقدات و يعكس التنظيم الفئوي و الأسري، حيث أنها تجسد روابط الرحم و القرابة و الجوار و المعاملات الإسلامية التي أقرتها الشريعة و ذكرها القرءان بنصوص مباشرة.  و هي كذلك كائن بيولوجي يعيش وفق معطيات المكان و الزمان من حيث المعيشة و استغلال الثروات و التعامل مع الطبيعة و تبادل المنافع و قيام الصنائع. و في مقابل الجانب المادي و المجسم للمدينة فإن البعد الروحي لا يمكن إغفاله رغم ندرته في الدراسات المعاصرة. و قد حاول كل من الفارابي و إخوان الصفا في رسائلهم إدراك البعد الروحي و العرفاني في المدينة. و رغم التأثر الكبير لأصحاب هذه الدراسات بالفكر الفلسفي و الباطني فإن هذا الاتجاه يمكنه أن يستوعب دراسات أكثر و أعمق. إن تحليل المدينة وفق البعد الروحي الذي يضيفه الإسلام على المكان و على الوجود البشري قد يكون إحدى المحاور المستقبلية التي ستقتحم دراسات  العمران الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.