المحيط العمراني للحرم المكي

تقع مدينة مكة المكرمة في بطون الأودية وعلى سفوح الشعاب المحيطة بها . والسفوح الجبلية التي تنتشر بينها هذه الشعاب شديدة الانحدار ولها تأثير كبير على الامتداد العمراني للمدينة . إن تطور مدينة مكة عبر القرون كان دائما مرتبط ارتباطا وظيفيا بانحدار السفوح واتجاه الأودية وموضع السهول منها . ونظرا لضيق هذه السهول ، فقد قام العمران وانتشر على السفوح المطلة على الحرم الشريف . وذلك حرصا على البقاء بجوار الحرم المكي ما أمكن ونظرا لعدم وجود وسائل المواصلات التي تسهم في انتشار العمران في المناطق البعيدة غير أنه منذ الأربعينيات من هذا القرن بدا استخدام المواصلات الحديثة الأمر الذي أسهم في زيادة الانتشار العمراني وتوسعة الرقعة الأرضية التي تمتد عليها العاصمة المقدسة . وعلى الرغم من تأثير العوامل الطبيعية في تحديد الامتداد العمراني فإن الظروف الاقتصادية والاجتماعية كان لها الدور الأكبر في نمو المدينة على السفوح . وعلى هذا لم تكن العوامل الطبيعية هي التي فرضت الطابع الحضاري للمدينة ، وإنما كان تأثيرها يتناوب في أهميته مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية ، وعلى هذا لا نستطيع الجزم بأن هناك تأثيرات طبيعية منفردة ، وغنما هناك تأثيرات مشتركة للعوامل الطبيعية والظواهر الاقتصادية والاحتماعية مجتمعة في نسق واحد . ولهذا يمكن القول بأن هناك تأثيرا ملموسا للعوامل الطبيعية على تكوين ومظهر المدينة المقدسة فإذا ما أخذنا المناطق المعمورة بعين الاعتبار نجد أن التضاريس قد حددت شكل المدينة بوضعية خاصة تماثل الامتداد الطبيعي لمجموعة من الأودية مركزها المسجد الحرام . غير أن هذا التأثير العائق للنمو العمراني لم يكن عقبة كأداء أمام امتداد المدينة على السفوح . فقد قامت مشاريع الإسكان الخاصة والحكومية بتغيير الكثير من الظواهر التضاريسية وتسهيلها وجعلها صالحة للسكن . غير أن هذا لم يؤثر بطبيعة الحال على موضع المدينة الذي فرضته العوامل الطبيعية . فتسهيل السفوح والانتشار العمراني عليها لم يفقد العوامل الطبيعية سلطانها في تحديد الشكل العمراني للمدينة إذ أن الناظر لا يحتاج على الكثير من العناء لإدراك تأثير العوامل االطبيعية في تحديد مظهر المدينة وشكلها الذي يتطابق مع شكل الأودية والسفوح القائمة عليها . فشكل مدينة مكة المكرمة ومظهرها هو امتدادات أودية إبراهيم ، طوى ، فخ ، وأعالي وادي محسر ( العزيزية ومنى ) . عن المواصلات القائمة في المدينة المقدسة فرضتها شبكة التصريف المائي ، فشوارع مكة المكرمة الرئيسية منها والفرعية هي بطون الأودية والشعاب التي قامت عليها المدينة .  ولا يشذ عن هذه القاعدة إلا بعض الطرق القصيرة التي ربطت أحواض تصريف هذه الودية بعضها ببعض عن طريق فتح العقبات وبناء الجسور أو عن طريق الأنفاق . ولم تكن هذه إلا في العقدين الماضيين مما يبرز التأثير الكبير للعوامل الطبيعية في الهيمنة على طرق مواصلات المدينة المقدسة مما يمكن معه القول بأن هناك ارتباطا طرديا بين وجود الأودية والشعاب ووجود طرق المواصلات . أما في المناطق الجبلية وعلى السفوح فقد فرضت وعورة المنطقة واكتظاظها العمراني نمط خاصا من طرق المواصلات يمتاز بضيق المسالك والدروب من ناحية ، كما يمتاز باستعمال درج الصعود الحجرية من ناحية أخرى . ومن هذا يستخلص أن العوامل الطبيعية كمحدد عمراني قد تظهر من خلال العرض التحليلي للعوامل الطبيعية الثلاث وهي : التضاريس والحرارة والسيول التي تثبت النقاط التالية :

1-      إن شدة انحدار السفوح كانت عائقا في الامتداد العمراني للمدينة إلا في المسجد الحرام .

2-      إن الامتداد العمراني فرضته شبكة من الأودية في المدينة .

3-      إن امتداد السلاسل الجبلية في المدينة فرض تطورها على شكل خلايا منعزلة قائمة بين شعاب هذه الجبال وسفوحها غير أن هذه العزلة قد زالت بافتتاح الأنفاق الموصلة بين هذه الخلايا .

4-      إن تصور الناس بمكة عن وجود انخفاض نسبي في درجة حرارة بعض المناطق المحيطة بمكة نتيجة تيارات هوائية ناجمة عن انفتاح هذه المناطق ساعد على الامتداد العمراني في تلك المناطق قبل غيرها .

5-      لقد كانت السيول عائقا آخر للامتداد العمراني في المناطق البعيدة عن الحرم أما في المناطق المحيطة بالمسجد الحرام فقد انعدم تأثير هذا العامل .

                                                                                  مقتبس من كتاب(سجل بحوث ندوة عمارة المساجد – المجلد الأول : عمارة الحرمين الشريفين )

تعليق واحد

  1. We definitely need more smart pepole like you around.

اترك رداً على Idana إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *