المدن الاقتصادية

 مع تتابع الاعلان عن ميلاد الواحدة تلو الاخرى من المدن الاقتصادية التي تتبنى الهيئة العامة للاستثمار اقامتها ضمن الاطار المتعلق بتنمية مناطق المملكة في استراتيجية الهيئة التي شرعت بتنفيذها مؤخراً، اكاد اجزم بأن الكثير منا لا يدور في ذهنه ان عمق تجربة المملكة في بناء المدن الجديدة التي تمثل المدن الاقتصادية احدى اوجهها تتجاوز الفترة التي تلت انشاء المدينتين الصناعيتين في الجبيل وينبع في التسعينيات من القرن الهجري المنصرم، وانها تمتد لتصل الى حوالي قرن من الزمن متزامنة مع الخطوات الاولى لتوحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، فمما لا ينكر ان هجر البادية التي اقيمت من اجل توطين البدو الرحل في المملكة وكانت نواتها الارطاوية التي تبعد 300كم شمال مدينة الرياض في الثلاثينيات من القرن الهجري الماضي تمثل في الواقع المرحلة الاولى من بناء التجمعات السكنية الجديدة التي وصل عددها في السبعينيات الهجرية الى اكثر من تسعين هجرة، كلها تعتبر تجمعات سكانية جديدة، ساهمت الدولة في اقامة العديد منها، تلتها مرحلة تالية باقامة الدولة مدن النفط التي تجسدها الخبر والظهران وبقيق ورأس تنورة بالمنطقة الشرقية بالقرب من منابع البترول التي انشئت لاستيعاب موظفي شركة ارامكو واسرهم القادمين للعمل في هذا القطاع الاقتصادي المهم، وكذلك التجمعات السكانية بالقرب من محطات ضخ النفط من آبار البترول على الساحل الشرقي، الى ميناء صيدا في لبنان كانت النواة لمدن عرعر ورفحاء وطريف في شمال المملكة، لتأتي بعد ذلك المدن الصناعية في الجبيل وينبع لتمثل نضج تلك التجربة التي امتدت لعقود من السنوات.

ان تلك التجربة المتفاوتة في غناها تبعاً لعناصر النجاح والاخفاق التي تضمنتها مسيرتها، من الواجب ان نراجعها ونتأملها وان ندقق في النتائج التي تمخضت عنها، لا للغرض التوثيقي وحسب من تلك التجربة، وانما لتكون معيناً لنا لاستشراف مستقبل المدن الاقتصادية التي اضحت محل نقاش وحوار متصل بين المهتمين بتلك المدن من مخططين ومهندسين واقتصاديين ومتخصصين في علم الاجتماع وعلوم البيئة وغيرها من المجالات ذات الصلة في حياة المدن اليومية، لذا يأتي المنتدى العمراني السعودي الاول موفقاً في اختياره لموضوع هذا الملتقى وهو "المدن الجديدة في المملكة.. الرؤية والطموح" ليطرح على بساط البحث الرؤى عن مدى كفاءة تلك المدن الاقتصادية في تحقيق الاستدامة للتنمية، فما يقتطع من موارد شحيحة بمجملها لمجتمع صحراوي مثل المملكة حري بأن ما يعرف ما سيؤول به من عائد في المستقبل.

@

د. سليمان الرويشد – اكاديمي وباحث في اقتصاديات التنمية الحضرية
====================================
جريدة الرياض – الخميس 10ربيع الأول 1428هـ – 29مارس 2007م – العدد 14157

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.