مراكز المدن بيئة إنسانية متميزة ومترابطة

 تأتي أهمية دراسة تطوير مراكز المدن؛ لأنها تتجه في بحثها واستقصائها نحوالإنسان وتخطط لأجله وتسعى أن توفر له بيئة سكنية وعمرانية ومناخا مناسبا يليق بإنسانيته، وفي تمهيد كتابه ابرز الدكتور محمد النويصر قيمة دراسة هذا النوع: (إن العناية بتطوير مراكز المدن بشكل عام ومراكز المدن المتوسطة والصغيرة أصبح مطلبا تنمويا ضروريا نظرا لما تمثله المراكز من قلب نابض لمدنها ومنطقة التقاء لأعمالها التجارية والخدمية).

في مقدمة كتابه تعرض الدكتور محمد النويصر( الأستاذ المشارك في كلية العمارة والتخطيط) لأهمية مركز المدينة للانسان والمجتمع وانواع مراكز المدن من تجارية أو مكتبية أو دينية أو حكومية او حضارية او سياحية اواجتماعية واشار الى المختلط من مراكز المدن الذي يجمع بين بعض أو كل الاستخدامات السابقة .وذكرالدكتور النويصر في هذا الشأن :(يتراوح الجمع والخلط بين هذه الاستخدامات الرئيسة من مجتمع الى آخر بناء على خلفيته الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية وغيرها).

في فقرة اخرى من كتابه اوضح النويصر هدفه ومشروع دليله وهو: (وضع دليل إرشادي لتطوير مراكز المدن المتوسطة والصغيرة مع محاولة إيجاد عامل المرونة ليكون قابلا للاستعمال في جميع مناطق المملكة فعنصر الوسط هو المستوى الذي لم تتطرق اليه اغلب الدراسات التخطيطية والعمرانية) .

ولقد تناول (دليل تطوير مراكز المدن السعودية المتوسطة والصغيرة) أيضا: (كيفية تشخيص بيئة مراكز المدن المتوسطة والصغيرة لمعرفة وإبراز مشاكلها كذلك وضع خطوط إرشادية لكيفية عمل الدراسات والحلول لجميع الأبعاد التخطيطية ولكامل مراحلها ابتداء من المدخلات السكانية والاقتصادية والاجتماعية وانتهاء بوضع الأفكار والتوجهات لمركز المدينة.. .).

وطرح الكتاب / الدليل أهدافا متنوعة ومتعددة وراء تطوير مراكز المدن ومن هذه الأهداف 🙁 – جعل المركز بيئة إنسانية متميزة ومترابطة ومعرضاً يومياً وحيوياً وجذاباً للتسوق واللقاءات الاجتماعية وللسياحة، بحيث يصبح مكاناً يذهب إليه السكان للمتعة وملهماً للإبداع بدلاً من الضرورة للتسوق.و تركيز القاعدة الاقتصادية في المركز بما في ذلك مشاركة القطاع الحكومي من ناحية توفير الوظائف والمعاهد والخدمات ومن القطاع الخاص الاستثمار.والتركيز على مراعاة حركة المشاة وربطها بعناصر ونقاط التجمع، والنهوض بمستوى الحياة والخبرة الفراغية (البيئية) من حيث إيجاد البيئة الأمنية والصحية والترفيهية التي تدعم النمو النفساني والنضوج الاجتماعي، وذلك بإيجاد فرص فراغية إنسانية للقاء والخصوصية في العامة والراحة والهدوء والنشاط الحيوي وللجلوس والانتظار، والتجمعات، والترويح، كل ذلك لإعطاء مرونة لأكبر عدد ممكن من رواد المركز لاستخدامه والتمتع به باختلاف احتياجاتهم ورغباتهم وأمزجتهم.وربط فكرة التطوير بعادات وتقاليد سكان المستوطنة لتعكس تعبيراً جماعياً عن طريق الدمج والتكامل بين نشاطات الفراغات الخارجية، بحيث تكون مفتوحة على بعضها، ومعبرة كما في طريقة الأسواق السعودية التقليدية والعربية/ الإسلامية مع الابتعاد عن التقليد للأسواق في البيئة الغربية المنغلقة، لعدم تناسبها في كثير من الأحيان مع مضمون مبادئ التسوق في هذا المجتمع وتحريفه.واعتبار النواحي البيئية في التخطيط من حيث قابلية الطقس المحلي للتسوق المفتوح أو المحمي، والارتباط الجسماني بالعناصر الطبيعية المحيطة من حيث تبني المبادئ والتصاميم والمواد والتقنية التي تساعد على تخفيض درجة الحرارة في فراغات المركز الخارجية حيث إنه من الملاحظ وجود أطول فترة معتدلة والتي قد تصل إلى تسعة شهور من السنة مقارنة ببعض المدن الغربية مما يعني إمكانية التوجه للأسواق المفتوحة.

وتوجيه المركز بحيث يكون واجهة المدينة الحضارية ورمزها والذي يعبر عن تكوين ووعي سكانها.و احترام جميع الحواس الإنسانية من ناحية تفاعل الإنسان بصرياً وسمعياً مع البيئة الفراغية وحسياً مع الألوان والأماكن وأثاث الفراغات من تكوينات مائية ونباتية….)

وينتقل المؤلف النويصر بدراسته الى ناحية تتعلق بمراحل تطوير مراكز المدن عالميا ويصل بعد ذلك إلى مراحل نشوء وتغير وتطور مراكز المدن السعودية وماتعانيه من سلبيات: (كانت مراكز المستوطنات السعودية إلى عهد قريب تعكس تعبيراً جماعياً فطرياً من التلاحم والتكافل الاجتماعي وتدعيمه عن طريق تنسيق العلاقات بين عناصره بإطار من الشمولية الوظيفية والتكوين الفراغي. لكن الآن بعد غياب الاهتمام الجماعي، زاد التوجه إلى العمل الانفرادي، والذي انعكس بدوره على طبيعة نمو المدن بشكل عناصرها المشتتة والمنفردة والمتنافرة. لهذا السبب كانت مراكز المستوطنات التقليدية ناجحة في أداء الوظيفة المطلوبة في ذلك الوقت، بينما فشلت أغلب مراكز المستوطنات الحديثة في التجاوب مع متطلبات العصر الراهن مما خلق حاجة ماسة إلى التحكم بها وتوجيه نموها واستمراريتها. ).ومن خلال ماتوصلت اليه دراسته من نتائج كانت للدكتور النويصر بعض المآخذ على ماحدث من تطور شكلي لمراكز المدن واستعرض سلبيات ذلك على الإنسان السعودي مستعينا ببعض الصور والمشاهد التي ضمنها الكتاب عن المراكز المدن القديمة والمحدثة وفي فقرة أخرى يسرد الدكتور محمد النويصر بوضوح شديد أهم المشكلات والمعوقات الداخلية التي تعاني منها مراكز المدن السعودية مستندا الى الصور والامثلة ومنها: – عدم وضوح المركز حيث إنه في كثير من الحالات يصعب تحديد نطاقه بسبب تمديده العشوائي من جميع الجهات وتشعبه داخل الأحياء السكنية بشكل "أخطبوطي" بدون سياسة أو هدف معين ماعدا الوظيفة التجارية .وتشتيت عناصر المركز ونموه عشوائياً وسوء علاقة بعضها ببعض وطول المسافات وعدم التنسيق بينها وعدم التنسيق بين نقاط التجمع الرئيسة أضعف من كيانه ووظيفته وقلل من الصفة المركزية له. كذلك إهمال الفراغات التي بين المباني والعناصر الفراغية والأرصفة وعدم الاستفادة منها لتدعيم العناصر التي تقع عليها. أيضاً تحاول بعض المباني التعبير والبروز الانفرادي وهيمنتها على البقية بدون مراعاة مشاركة المباني الأخرى في تعبير جماعي من الناحية الوظيفية والشكلية، حيث إن بعض هذه المباني يحاول أن يجذب الانتباه إلى نفسه).

وفي دراسته المعمقة لمراكز المدن طرح المهندس النويصر عددا من الاقتراحات وذلك في سرده لمراحل تهيئة تطوير المراكز ومنها: النواحي الإدارية والتهيئة للتطوير/ القاعدة الاقتصادية العقارية/ الأوضاع السكانية والاجتماعية / السلامة والأمان / الاستدامة / – الشراكة بين القطاعين الخاص والعام).

وفي الفصل الثاني من (دليل تطوير مراكز المدن المتوسطة والصغيرة) تناول الدكتور محمد النويصر حدود المنطقة المركزية والمركز وفي إشارة تمهيدية كشف النويصرعن بعض المشاكل والقضايا التي تعاني منها مراكز المدن، 🙁 تعاني مراكز المدن السعودية الصغيرة والمتوسطة العديد من المشاكل والقضايا ولعل من أهم المشاكل الحالية الأساسية التي تواجه المتطلبات المستقبلية لمراكز المدن السعودية المتوسطة والصغيرة هو تحديد هذه المنطقة المركزية ومركز المدينة وظيفياً وجغرافياً ليسهل وضع مخطط هيكلي لها يوجه عملية تطويرها على المدى البعيد، ويتم في هذه المهمة استخدام الأسس العلمية والعناصر التخطيطية والتوجهات الواقعية المحلية والمرتبطة بخطط واهتمامات وتصورات الجهات التخطيطية المسئولة عن تخطيط وتطوير المركز، مع الارتباط الوثيق بتصورات واهتمامات شركات الاستثمار وسوق العقار وكذلك تصورات سكان وزوار المركز (خصوصاً) وسكان وزوار المدينة (عموماً). لذا يصبح مركز المدينة بمثابة الامتداد لشخصيات الزوار الذين يرتبطون به ويشعرون بأنه جزء من كيانهم من خلال الحس اللاواعي الذي يحكمهم أثناء فترة زيارتهم له، لأن المركز يشكل المحيط والبيئة الفراغية الأساسية لازدهار الحضارة الإنسانية واستمرار تطورها .وللمركز أيضاً أهمية مكانية ذات عناصر مهمة من أهمها انه المنطقة التي تحتوي على أكثر المناطق والعناصر التاريخية المميزة على مستوى المدينة، ووجوده على أهم وأغلى موقع جغرافي في المدينة، وكونه المنطقة التي تحتفظ بشخصية المدينة الأصيلة وآثارها).

وفي فقرة اخرى وضح النويصر بعض المفاهيم والمصطلحات التي تهم قارئه من خلال حديثه عن المنطقة المركزية والمركز: هي تلك المنطقة التي تضم جميع استعمالات الأراضي التي تدخل تحت تأثير نطاق مركز المدينة الحضاري ويشمل ذلك المناطق التجارية والأحياء السكنية والخدمات التابعة لها.

واما الفصل الثالث فعبر من خلاله عن بعض المؤثرات والقوى المحيطة والمحددات والفرص واوضح دورها الذي يعتمد عليها المركز في وظيفته . وشرح طريقة وعمل كل منها بالتفصيل من ذلك: شبكة الطرق الوطنية والإقليمية الحالية والمستقبلية / الحالة الديموغرافية والاجتماعية/ مراكز التسوق الحديثة/ الضوابط العمرانية

وتبرز مراحل دراسة المهندس محمد النويصر وملامح التخطيط العمراني في الفصل الرابع وتشتمل مراحل الدراسة على: (استعمالات الأراضي/ المناطق التجارية/ المراكز التجارية/ المناطق التقليدية/ حالات المباني/ الخدمات العامة/ المرافق العامة/ :/ الحركة والنقل/ التصميم العمراني).

ويبين الفصل الخامس بعض توجهات التطوير وتكوين الأفكار ومن موضوعاته التي يتناولها: (حجم ووظيفة المركز/ وضوح دور المركز/ تصميم المركز/ وتكوين الفكرة المثالية لتخطيط المركز وتطبيق ذلك يبدي مدى الاهتمام البيئي والعمراني والتخطيط من خلالهما لماينفع الانسان ويخدم توجهاته.

الفصل السادس وهو آخر فصول كتاب (دليل تطوير مراكز المدن السعودية المتوسطة والصغيرة) وعنوانه (الضوابط العمرانية) استعرض الدكتور محمد النويصر فيه مفهوم الضوابط العمرانية وشرح اساسياتها واهدافها وضوابط تفصيلية واستراتيجيات تشغيلية واستراتيجيات اخرى ادارية: (الضوابط العمرانية هي مواصفات ومقاييس متنوعة تهدف إلى حماية المصالح الخاصة بالتنسيق مع حقوق المستخدمين. حيث إنها تعمل على الحفاظ على القيمة العقارية للموقع عن طريق تعريف المستثمر عن ماذا يمكن أو لا يمكن عمله على الأرض في المركز. وهنا يكون الوضوح وتحديد قيمه العقار على المدى البعيد وكذلك منع المفاجآت السلبية على حساب المالك أو حث الإيجابية لمصلحة المجاورين والمستخدمين) .

اختتم الدكتور النويصر دراسته برصده عددا كبيرا من المراجع التي اشتملت على مصادر أجنبية وعربية ورقية وأخرى الكترونية من مواقع الكترونية موثوقة .

قراءة: هدى الدغفق
===============================
جريدة الرياض – الخميس 5رجب 1428هـ – 19يوليو 2007م – العدد 14269

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.