(1)قراءات نقدية موضوعية للدراسات التقليدية المدينة الاسلامية

قراءات نقدية موضوعية للدراسات التقليدية

في المدينة العربية "الإسلامية"

(1-3)

إشكالية المصطلح

د. وليد أحمد السيد

دكتوراة في فلسفة العمارة من جامعة لندنمؤسس مجموعة لونارد ودار معمار بلندن


sayedw03@yahoo.co.uk

بإعادة طباعة كتاب بسيم حكيم "المدينة العربية الإسلاميةقواعد البناء والتخطيط" قبل أشهر قليلة في أواخر العام 2008 والذي نشر باللغة الإنجليزية لأول مرة قبل 22 عاما وتحديدا في العام 1986 عن دار النشر (Kegan Paul International Limited) بلندن, ينفتح الباب مجددا لتأمل هذا الكتاب المرجعي الذي يبحث فيما عرف في أدبيات الثمانينات وما بعدها "بالمدينة العربية الإسلامية". أهمية كتاب بسيم حكيم – والذي وصلتني على عنواني بلندن نسخة من طبعته الجديدة ممهورة بإهداء الكاتب مشكورا – نبعت من السبق التاريخي الذي حازه الكتاب آنذاك في تكريس العلاقة بين الناتج العمراني وبين الأسس والقواعد التي كانت العامل المباشر وراء ما نراه من موروث عمراني في مدن العالم العربي والإسلامي التقليدية. فهو من الكتب النادرة التي تبحث في المنهجيات و"الأسس" المحركة للتراث العمراني وليس في الناتج "كمعطى جامد" معزول عن العوامل الحركية التي أنتجته. وبمراجعة هذا المرجع المهم ينفتح المجال أيضا لمراجعة مجموعة من الكتب المماثلة التي بحثت فيما سمي بالمدينة العربية "الإسلامية". وتأطيرنا لكلمة "الإسلامية" ينبع من حقيقة أن هذه المراجعة النقدية تضع هذا المفهوم تحت البحث الموضوعي الناقد, رفضا وتدقيقا وتمحيصا, فيما غدا من المسلمات التي نود إلقاء الضوء عليها في مداخلتنا هذه. فماذا يعني بالضبط مفهوم المدينة "الإسلامية"؟ وكيف قدمت هذه الدراسات "التقليدية" هذا المفهوم؟ ومتى شاع استعماله بشكل منهجي كدراسات مستقلة؟ وما هي دلالات استعماله وما الذي ترتب على ذلك؟ وما هي العلاقة الجدلية بين "إسلامية" المدينة, كما تدعي هذه الدراسات, وبين الناتج الطبيعي البشري لمقومات المدينة؟ وكيف نظرت بعض هذه الدراسات "اللاتاريخية" بنظرة متحيزة وضيقة, تحكمها الدراسات في الدين والشريعة, لمفهوم المدينة وتخطيطها وبعدائية للمنظور الإنساني الشمولي لنمو وتطور المدن؟ أسئلة تقدم إجاباتها هذه المساحة وأخريين في سبتين قادمين. وبداية أود أن أسجل أن الدراسات التراثية عموما كانت وما تزال حجر الزاوية في طروحاتي الفكرية المتعلقة بالعمارة بمنظومتها الحضارية الإجتماعية على مدى عشرين عاما خلت. وبذا يمكن أن نلقي جانبا بتهمة التحيز "الحداثي" الرافض للتراث, كي نقطع الطريق استباقيا على مثل هذه التهم لئلا تقف حائلا أمام قراءات موضوعية جادة, مفقودة, في الدراسات التقليدية التي أشبعت ما يسمى المدينة "الإسلامية" مدحا قد يجانب الموضوعية العلمية أو النظرة الشمولية.


بداية, وقبل مناقشة كتاب بسيم حكيم, يمكن الجزم تقريبا أن البحث في التاريخ يكاد يخلو من أي كتاب تخصص فيما يسمى (المدينة الإسلامية) كمبحث مستقل ومنفصل. فهذا الإسم ظهر في سبعينيات القرن الماضي, وتحديدا في كتاب "المدينة الإسلامية" للمستشرقين "حوراني وشتيرن" بجامعة أكسفورد والذي يعده الباحثون ركيزة مهمة في إطار المدينة "الإسلامية". فالدراسات التاريخية منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا ظلت عامة في تقديمها لمناحي مختلفة من الحياة في المدينة "العربية" ودون تقنينها كعلم خاص بالعمران الحضري. فمن هذه الدراسات المرجعية التي عكف عليها باحثونا في دراستهم للمدينة العربية "الإسلامية" مجموعات من النصوص والمؤلفات والكتابات التي تطرقت لأوجه من الحياة الإجتماعية وعلوم العمران الإجتماعي؛ منها "مقدمة أبن خلدون" الشهيرة, ووثيقة ابن الرامي التاريخية (كتاب الإعلان بأحكام البنيان), وكتاب المقدسي (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم), وإبن بطوطة في رحلاته (رحلات إبن بطوطة), وكتاب المقريزي (المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار), وكتاب المقدسي (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم), وكتاب الماوردي (الأحكام السلطانية والولايات الديوانية), أو كتاب ياقوت الحموي (معجم البلدان). وقد طالت بعض هذه الدراسات كتب الحديث والفقه كصحاح البخاري ومسلم وموطأ الأمام مالك ورسالة الشافعي وغيرها.

وبذلك فمفهوم المدينة "الإسلامية" كمبحث منفصل هو مفهوم "مبتدع". وبالرغم من أن البعض قد يدعي ورود الكلمة ذاتها بشكل نادر جدا في بعض المصادر التاريخية, حيث وصف المقدسي مدينة سامراء بأنها "إسلامية", إلا أن استعمال المصطلح بشكل منهجي وكمبحث متخصص في العمران العربي لا يكاد يزيد عمره عن عمر الكتب التي نبحثها بين أيدينا أو عمر جيل واحد من كتابنا المعاصرين. فالتجمعات الحضرية في الأقاليم التي سكنها العرب والمسلمون وصفت قديما وحديثا بالمدينة "العربية", حيث وصفها عبد الجبار ناجي في كتابه المسمى (المدينة "العربية" في الدراسات الاجنبية) المنشور عام 1981, وتجنب استعمال لفظة "إسلامية". ومن اللافت أن المستشرقين الذين تبنوا مصطلح "العمارة الإسلامية" أو (Islamic Architecture) بدلا من لفظة "عمارة المسلمين" (Muslim Architecture) مع الفرق الشاسع الذي تعنيه اللفظتان, لم يوظفوا ذات المفهوم في حال "المدينة العربية" وإنما استعملوا لفظه "مدينة المسلمين" أحيانا (Muslim Cities) أو "المدن شرقالأوسطية" (Middle Eastern Cities) في أحيان أخرى, ومثال عليهم الرحالة الشهير"لابيدوس" (Lapidus) الذي استعمل هاتين اللفظتين في كتابيه اللذين يحملان ذات الإسم؛ الأول هو كتابه (مدن المسلمين في أواخر العصور الوسطى) أو (Muslim Cities in the Later Middle Ages) الصادر عام 1967 عن جامعة هارفارد, والثاني هو كتاب (مدن الشرق الأوسط) أو (Middle Eastern Cities) والصادر عن جامعة بيركلي عام 1969. ومن هنا فستبين هذه المساحة وما تليها ما نتج من إبتداع مفهوم المدينة العربية "الإسلامية" وكيف قدمتها هذه الدراسات كمفهوم "لاتاريخي" متقوقع وجامد, من خلال استنباط مجموعات من النصوص والقواعد ومناحي الحياة السالفة وتأويل النصوص تأويلا يقف بنموذج المدينة عند حدود الماضي كتاريخ متجمد!

فقد سادت في الثمانينيات مجموعة من الكتابات والأطروحات الأكاديمية في معاهد العالم الغربي والعربي على حد سواء في مجالات التصميم والتخطيط الحضري, مما غدا كمتواليات أشبه ما تكون "بالموضة الأكاديمية" لمن يود لفت الأنظار لمبحث "ذي شأن". وأضحى كل من يود "أسلمة" مبحثه يعمد لربطه بالإسلام وبالشريعة وتبني عنوان "المدينة الإسلامية" من خلال مجموعات من الإستنباطات الشرعية "السطحية" الساذجة التي سنفندها لاحقا. فقد بحثت العديد من الدراسات في طبيعة النسيج العمراني للمدينة العربية التقليدية, يتصدرها كتاب حكيم الذي يدرس مدينة تونس كحالة متميزة وخاصة. وهناك أبحاث أخرى مماثلة خضعت لها المدينة العربية ومنها ما قام به نزار الصياد في تحليل أبرز المعالم الحضرية لشوارع مدينة القاهرة وتحديدا ما يعرف بقصبة القاهرة وهي المنطقة الممتدة من جامع الحاكم شمالا وحتى باب زويلة جنوبا, حيث نظرت هذه الدراسة لطبيعة النسيج الحضري للمدينة العربية ببعده الحسي والتحليلات البصرية وغيرها مما يشكل دعائم أساسية في التصميم الحضري. وفي بعض الأبحاث الأخرى (كعمارة الأرض في الإسلام) لأكبر أو كتاب الهذلول (مدينة الرياض), كرست هذه الدراسات وغيرها أثر الشريعة في تحديد البيئة المبنية بدرجة شبه مطلقة بحيث غدا المشرع هو المعمار والمخطط تاركا مساحة ضيقة للتخطيط العمراني بما تعرفه مدارس العمارة الحديثة كسابق على العمران على أرض الواقع. ففيما نظرت الدراسات الأولى للنمو العمراني كظاهرة بيئية دون البحث في الأسس والعوامل التي قامت عليها مبادئ النمو العمراني في المدن والحواضر العربية, نظرت الدراسات الأخرى, وعلى النقيض من الأولى, لطبيعة النمو العمراني الحضري في المدينة العربية كظاهرة مرجعيتها الأولى والرئيسة هي الشريعة, وكظاهرة حركية متصلة لا تنبع من تخطيط مسبق بل عفوي مضبوط بضوابط تحكمها الشريعة والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية. وبين هذه وتلك غابت الدراسات المتكاملة التي تؤسس الأسس لقراءة النسيج العمراني للمدينة العربية بعيدا عن النظرات العاطفية التي تلي أعناق النصوص لتقرير أفضلية النسيج العمراني التقليدي ومده لينوب عن الحاضر والمستقبل من ناحية, أو لتقرير أفضليته وصلاحيته على نظيره الغربي من ناحية ثانية. وبالمقابل يبرز فريق متشكك بهذه الدراسات التقليدية, ومنهم كاتب هذه السطور, ممن يعزو نمو المدينة, أي مدينة في التاريخ, لمنظومة متكاملة من الأطر العامة البيئية والمناخية ومنظومة حضارية إجتماعية وتراكمات من خبرات "إنسانية عامة" لا شأن للدين بها, والتي تشكل مظلة عامة تستظل في ظلها التجمعات الحضرية الإنسانية على مدار التاريخ بما ينتج مختلف أنماط المدن الإنسانية. فنقطة الخلاف الأساسية هي في "تقزيم" هذه الدراسات وحصر نشوء المدن, وخاصة ما حددتها "بالإسلامية", في إطار خاص ضيق يلتصق بالدين وينطلق من تعاليمه, وتقديمها كنموذج صالح للمدينة في كل زمان ومكان إنطلاقا من النظرية العامة للإسلام بصلاحيته لكل مكان وزمان وهذه مغالطة وتقوقع وجمود بالتراث يضعه فورا في مصاف التاريخ المتجمد بعيدا عن حركية المجتمع الإنساني وتطور احتياجاته زمنيا. وفي مساحتنا هذه سنتطرق للموضوع من خلال ثلاثة محاور: إشكالية المصطلح وهو ما سنبحثه في مساحتنا هذه, وإشكالية المحتوى وإشكالية النموذج في مساحتين قادمتين.

أما كتاب بسيم حكيم الذي بين أيدينا فيسجل لمؤلفه المنهجية الأكاديمية الرصينة التي اتبعها في تقديم مجموعة من التعريفات والتمهيد للفصول الأربعة الرئيسة من خلال مقدمة تعالج أسس البحث المنهجي الذي انتهجه. ويتصدر ذلك محاولته تفسير أسباب اختيار عنوان الكتاب ودلالات ذلك. وهو مما تناقلته الدراسات اللاحقة "كنمطية" اصطلاحية, بحيث قدمت هذه الدراسات المتعاطفة المدينة العربية "الإسلامية" وكأنها "مدينة أفلاطون الفاضلة" والمنشودة. ولتوضيح ذلك دعونا نتتبع مداخلة حكيم وراء اختيار العنوان, وهي أطروحة تنبني عليها إشكالية أساسية في التعامل مع مصطلح المدينة "الإسلامية".

يدرج حكيم في مقدمة كتابه أربعة أسباب أساسية أدت لتبني اصطلاح (المدينة العربية الإسلامية) بدلا عن (المدينة الإسلامية) أو (مدن شمال أفريقيا) مثلا أو (مدن المغرب الإسلامية) – والتي, كما يدعي, تلائم أكثر نظرا لمركزية مدينة تونس الذي يدرسها في كتابه كحالة دراسية. وهذه الأسباب الأربعة هي كما يطرح حكيم في المقدمة: أولا – تاريخية نشأة الإسلام في جزيرة العرب, حيث ذابت الكثير من القيم العربية القديمة في بوتقة الإسلام وتم قبول ما يناسب منها تعاليم الإسلام وبحيث غدت العادات والتقاليد العربية الحميدة, ومنها الممارسات البنائية, جزءا من الحياة الإسلامية في الوطن العربي. ثانيا – تزاوج العروبة والإسلام من خلال اللغة حيث أن لغة القرآن الكريم هي اللغة العربية وهي لغة التواصل في الحياة الإسلامية لإنتاج العلوم والمعارف خلال الحقب اللاحقة. ثالثاالمذهب المالكي (أحد المذاهب الأربعة السنية) نسبة للإمام مالك بن أنس ظهر في المدينة المنورة بالجزيرة العربية, وخلال تبلور هذا المذهب تبلورت العديد من الممارسات الإجتماعية السلوكية والأطر التي ترسخت في المدن العربية وبخاصة في الجزيرة ومدن شمال إفريقيا حيث يشيع هذا المذهب. رابعا – بالرغم من أن العديد من المدن في الأمصار غير المتكلمة بالعربية قد تم بناؤها على أيدي قادة عرب, إلا أن العديد من التأثيرات غير الإسلامية وبخاصة في شرق العالم الإسلامي تعود لتأثيرات ما قبل الإسلام وذلك على النقيض من دول غرب العالم الإسلامي "النقية" من تداخلات مع غير الإسلام.

وفي الحقيقة تستحق هذه التسمية التي تبناها كتاب حكيموتلقفتها الدراسات اللاحقة – وقفة نقدية خاصة أوسع من هذه المساحة الضيقة لمناقشتها وتفنيدها, بيد أننا هنا سنعنى بإثارة مجموعة من النقاط المحورية والتساؤلات برسم المزيد من البحث. فتسمية المدينة ونعتها "بالإسلامية" تتضمن صورة "نمطية" علقت بأنماط مختلفة غير متجانسة و"متباينة" من المدن على طول وامتداد العالم العربي والإسلامي ووضعها تحت بوتقة واحدة – تدعي هذه الدراسات أن الإسلام كدين وأن الشريعة كانت العامل المحرك والرئيس لنشأتها وتطورها. وهذه النظرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.