الإدارة المحلية وغياب القرار المحلي

Dr. Shehaaتلقيت في الأسبوع الماضي دعوة من جامعة الأمير سلطان في الرياض للمشاركة في ندوة "الإدارة المحلية" وورش العمل المصاحبة لها. وتأتي الندوة منسجمة مع تزايد أهمية الحاجة إلى النظر في الشؤون المحلية وكيفية تنمية المدن ورعاية مصالح سكانها ومواجهة الطلب المتزايد على الخدمات العامة كماً ونوعاً، وتطبيق التنظيم الإداري والسياسي الذي يحقق ذلك كله ويسهم في الوصول إلى قرارات عامة محلية ذات كفاية وفاعلية اقتصادية. ونؤكد هنا أن الفاعلية لا تعني فقط إلى أي مدى تم تحقيق الهدف، ولكن هل الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه في الأصل ذو قيمة اقتصادية ويحتل أولوية اجتماعية؟
من هنا كان من الضروري مراجعة إجراءات كيفية اتخاذ القرار العام ليس داخل البيروقراطيات (الوزارات) فحسب ولكن التنظيم الذي يتيح اتخاذ القرار ذي الشأن المحلي محلياً وليس مركزياً، إضافة إلى الرقابة السياسية المحلية على هذه البيروقراطيات (الإدارات وفروع الوزارات). لذلك لا يكفي الحديث عن اللامركزية في ظل إطار التنظيم البيروقراطي بحيث تفوض فروع الوزارات والإدارات الحكومية صلاحيات أكبر، بل يلزم أن يكون هناك نقل للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للمحليات في حدود ما يلزمها لإدارة شؤونها. وهذا يستلزم تحديد صلاحيات وأدوار وكذلك النطاق الجغرافي للوحدة المحلية وكيفية إنشاء وحدات جديدة ضمن القانون العام للدولة. وبذلك تتحول المدن والمحليات من مستقرات سكنية عمرانية إلى وحدات سياسية ترعى مصالح سكانها وفي الوقت ذاته تكون مسؤولة لدى الحكومة المركزية. وفي هذا السياق يلزم تأكيد أن الإدارة المحلية بمعناها الضيق تعني السلطة التنفيذية في الحكومة المحلية ويقابلها المجلس البلدي الذي يمثل السلطة التشريعية المحلية. وهي بذلك أي الإدارة المحلية تكون تحت إرادة المجلس البلدي تنفذ سياساته وتشريعاته وتكون مسؤولة أمامه. ومع اختلاف مفهوم ودور وصلاحيات الإدارة المحلية في كل نظام سياسي، إلا أنه من المتفق عليه هو تحقيق درجة عالية من التمثيل الشعبي والاستجابة للرأي العام في عملية صنع القرار المحلي.
التوجه نحو اللامركزية أو التخفيف منها من شأنه جعل سكان المدن يتحملون مسؤولية القرار العام الخاص بهم والبحث عن أفضل السبل لتلبية احتياجاتهم ومصالحهم العامة. وبذلك ينزاح عن كاهل الحكومة المركزية مسؤولية وصعوبة تلبية الخدمات المحلية التي تختلف من مدينة لأخرى.
وهنا يجب أن نلحظ أن تدرج سلطات الهرم المكاني للدولة يلزم أن يعكس التدرج الهرمي للخدمات العامة. فهناك خدمات يلزم تقديمها على مستوى الدولة مثل حماية الوطن أو مواجهة مرض وبائي مثل إنفلونزا الطيور. فيم نجد أن هناك خدمات مثل مكافحة التلوث البيئي والتخطيط لتنمية الإقليم يكون على مستوى المنطقة. بينما تكون خدمات تجميل المدينة وتخطيطها وجمع النفايات وصيانة الشوارع من اهتمامات إدارة المدينة. وقد يكون هناك تداخل بين ما تقدمه الدولة على المستوى الوطني والمستوى الإقليمي والمستوى المحلي تفرضها طبيعة بعض هذه الخدمات والظروف المالية والإدارية. فعلى سبيل المثال، الطرق التي تصل المدن مع بعضها بعضا تأخذ اهتمام المسؤولين المحليين وكذلك الإدارات الإقليمية وهي بطبيعة الحال ضمن برنامج الخطط التنموية للدولة.إلا أن ذلك لا يلغي وجود موضوعات خاصة بالإدارة المحلية وتلك التي تقع ضمن صلاحيات الإدارة الإقليمية.
إن مفهوم المحلية يعني أخذ الرأي العام المحلي في الحسبان واتخاذ القرار محليا فيما يخص المواضيع المحلية. يؤكد ذلك طبيعة وظيفة إدارة المدن في تقديم الخدمات العامة، ما يحتم تحديد الأولويات بناء على التوجه العام لاحتياجات السكان المحليين (سكان المدينة) وليس على أسس إدارية فنية (بيروقراطية).
وقد أدركت الحكومة السعودية ضرورة التقليل من المركزية والتوجه أكثر نحو اللامركزية وعملت على ذلك من خلال إصدار نظام البلديات والقرى لعام 1397هـ ونظام المناطق لعام 1412هـ. ويعد هذان النظامان المرتكز الأساسي للإدارة المحلية في المملكة. فالأول يمثل التقسيم البلدي والقروي والثاني يمثل التقسيم الإداري/السياسي، ولكن يبقى نظام المناطق النظام الأشمل والأعلى والأساس في التنظيم المحلي على الأقل من الناحية النظرية. إذ إنه وحتى الوقت الحاضر ليس هناك تنظيم موحد بين الوزارات والهيئات الحكومية في توزيع وإدارة فروعها في المناطق والمحافظات والمراكز. إلا أن العمل جار على أن تأخذ الوزارات بتقسيمات نظام المناطق الذي قسم المملكة إلى 13 منطقة تتكون كل منطقة إدارياً من عدد من المحافظات فئة (أ) وفئة(ب)، والمراكز فئة (أ) وفئة (ب).
وعلى أن نظام المناطق أصدر لتنظيم الإدارة المحلية إلا أن تفعيله كان لصالح المناطق أكثر منه للوحدات المحلية في المستويات الأدنى مثل المحافظات والمراكز. وما يهم في هذا الصدد هو أن المحافظات والمراكز ليس لديها استقلال إداري ومالي، بل تعتبر فروعا لإمارة المنطقة.
إن تفعيل نظام البلديات والقرى لعام 1397هـ فيم يخص تشكيل المجالس البلدية وتحديد عدد أعضائها من 4 ـ 24 عضوا حسب حجم البلدية ودرجة تصنيفها وطبيعة أعمالها ونشاطها، بحيث ينتخب نصف أعضاء المجالس ويعين النصف الآخر، يعتبر تحولا نحو التخفيف من المركزية. وأقول تخفيفا لأن المجالس البلدية مجالس استشارية وليست تشريعية ذات صلاحيات نافذة. إضافة إلى أن حدود المدن والقرى ليست محددة وموثقة قانونيا.
عليه جاءت تقسيمات البلديات استناداً إلى معايير فنية/إدارية أهمها عدد وكثافة سكان ومساحة (النطاق العمراني) الوحدة المحلية. قد يكون النسيج والتواصل العمراني هو المعيار الأساس الذي يميز مدينة عن أخرى دون الالتفات إلى النسق الاجتماعي والتركيبة السكانية وتباين الاحتياجات بين سكان المدن وقدرة أجهزتها الإدارية على تقديم الخدمات العامة بفاعلية وبأقل تكلفة ممكنة.
إن ما نحتاج إليه في الوقت الحاضر هو تفعيل المجالس البلدية كجهة تنظيمية محلية واحدة تصوغ التنظيمات وتصادق على المخططات والميزانيات المحلية وتراقب تنفيذ المشاريع والخدمات المقرة ليس كجهة استشارية منزوعة الصلاحيات بل جهة تمتلك سلطة التشريع والتوجيه والمحاسبة. بل ما يُطمح إليه هو أن تكون جميع الخدمات العامة وليست البلدية فقط ضمن مسؤولية المجالس البلدية، وبذلك يكون لدينا إدارة للمدن تتخذ قراراً محليا مبنيا على توجهات واحتياجات محلية ومرجعية واحدة محلية لاتخاذ القرارات المحلية.
إن إدارة المدن من أهم الموضوعات التي تستلزم علينا طرحها ومناقشتها وتحليلها بشكل جاد ونحن نسير في نهج اللامركزية السياسية والعمل على استقلالية القرار المحلي التي من أهم مظاهرها الانتخابات البلدية. كما أن تنامي دور المدن في التنمية الاقتصادية وما تمثله من ثقل سياسي وثقافي أبرزته المتغيرات المحلية والدولية يشكل تحديا كبيرا في استيعابه واحتوائه حتى لا تصبح المدن بؤرة مشاكل لا نستطيع السيطرة عليها والتعامل معها. إن المشكلة التي تعاني منها المدن تنبع من عدم وجود هيئة واحدة مسؤولة عن إدارتها وصنع سياساتها المحلية . فالوضع الراهن يعتمد على تقديم الخدمات في المدن من خلال فروع الوزارات التي تصدر قراراتها مركزيا وتنفذ محليا. قرارات تعتمد على الإجراءات الإدارية الداخلية لهذه الإدارات (البيروقراطية) دون أن يكون هناك هيئة محلية مسؤولة تعكس وجهة نظر السكان حيال ما يقدم من خدمات كما ونوعا وتتابع تنفيذها وأهم من ذلك كيف يرغبون أن تكون عليه مدينتهم. هذا الوضع أدى إلى وجود مشاكل تتعلق بنمو المدن وزيادة الكثافة السكانية وارتفاع معدل الجريمة والتلوث البيئي والزحام وغياب سياسات التنمية المحلية.
إن ما علينا إدراكه في هذه المرحلة أن سكان المدن يجب أن يأخذوا حظهم من تحمل مسؤولية اتخاذ القرارات التي تخصهم والعمل على تنفيذها وتحمل نتائجها, كل ذلك في إطار نظام يرتكز على الشفافية والمحاسبة. من أجل ذلك يلزم النظر إلى المدن كوحدات سياسية لها نطاق جغرافي محدد يعيش داخلها سكان تجمعهم مصلحة مشتركة تدير وترعى هذه المصلحة هيئة محلية. وبذلك يخفف الحمل عن كاهل الوزارات والإدارات المركزية لتتفرغ لوظيفتها الأساسية وهي رسم السياسات والاستراتيجيات ووضع الخطط وتنفيذ المشاريع الوطنية. ما يجب التنبيه إليه مرة أخرى هو ضرورة عدم الخلط بين المستوى المحلي والمستوى الإقليمي خشية أن تتخذ بعض القرارات المحلية من قبل الجهات الإقليمية، فهناك اعتقاد خاطئ بأن مجالس المناطق مجالس محلية بينما هي في واقع الحال (وكما أوضحنا آنفا) مجالس إقليمية تهتم بالموضوعات والمشاكل على مستوى الإقليم وليس على مستوى المدن. ومع ذلك فإن مجالس المناطق تفتقر إلى التمثيل الشعبي، إذ إن جميع أعضائها معينون وبالتالي فإن قراراتها لا تعكس بالضرورة الرأي العام لسكان المناطق فضلا عن سكان المدن.
من هنا تأتي أهمية هذه الندوة عن الإدارة المحلية وتوصياتها التي أسهم في صياغتها العديد من أصحاب الرأي ومراكز اتخاذ القرار في القطاعين العام والخاص أتمنى أن تأخذ حظها من الاهتمام والمتابعة وأهم من ذلك تطبيقها أو جزء منها حتى ترتقي بالعمل الحكومي المحلي وتسهم في معالجة كثير من القضايا المحلية التي لا يمكن معالجتها مركزيا. فالشكر والتقدير للمسؤولين في جامعة الأمير سلطان على
مبادرتهم بتنظيم هذه الندوة التي آمل أن تكون دورية لمتابعة القضايا الحالية والمستجدات المستقبلية
تحدثت في الأسبوع الماضي عن أن الأوضاع والمتغيرات الداخلية والخارجية تحتم إيجاد صيغة جديدة للعمل الحكومي المحلي بحيث يكون هناك هيئة محلية واحدة لإدارة المدينة تشتمل على سلطات قضائية وتشريعية وتنفيذية وتمتع باستقلال مالي وإداري يؤهلها لاتخاذ القرارات المحلية. المدن في الوضع الراهن مجرد مستقرات عمرانية سكانها مهمّشون لا حول لهم ولا قوة، وبالتالي لا يتحملون أدنى مسؤولية تجاه مدينتهم غير آبهين بما يجري حولهم صامتين غير فاعلين لا يتحمسون ولا يهتمون ولا يملكون أدنى شعور تجاه مدينتهم، كيف ذاك؟! وهم مجرد مجموعة من السكان يرتبطون بها إحصائيا. المدن نمت واتسعت وتمددت وتضاعف أعداد سكانها ونحن غير مدركين لحجم المشكلات التي تفرزها المدن الكبيرة: التلوث البيئي، الجريمة المنظمة، الإرهاب، وظاهرة التطرف الديني والتفريط الديني، والازدحام المروري، والفقر، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء وانحسار الطبقة الوسطى التي هي العامود الفقري لكل اقتصاد. كل هذه المشاكل وغيرها سببه غياب القرار المحلي وعدم وجود هيئة محلية مستقلة تمثل سكان المدينة، وتضع السياسات والتشريعات التي تعالجها. المدن الكبيرة مثل العاصمة الرياض، جدة، والدمام مازالت تتوسع، بل إن الخطط المستقبلية للسنوات العشر المقبلة في هذه المدن موجهة نحو استيعاب المزيد من السكان وليس الحد من هذا التوسع! على الرغم من أن هناك استراتيجية عمرانية وطنية تشير إلى ضرورة توجيه التنمية نحو المدن المتوسطة وتقليلها في محور التنمية "الدمام ـ الرياض ـ جدة".
المدن كما أشرت في المقال السابق ليس لها حدود سياسية أي حدود مكانية قانونية تحدد المسؤوليات المكانية لإدارة المدينة "السلطة التنفيذية" وتجعلها مساءلة من قبل سكان المدينة مباشرة أو من يمثلهم في المجالس النيابية المحلية "السلطة التشريعية" عن تقديم الخدمات وتوزيعها في الوقت الحاضر والتخطيط لتوفيرها في المستقبل. ليس ذاك وحسب، إنما تحديد النمو الحضري للمدينة وإدارته بحيث يكون حجم المدينة كما يريده السكان. من هنا يتضح غرابة التوجه الكبير على سبيل المثال نحو تطوير السياحة في جميع المدن دون التفكير في اخذ آراء السكان فيما إذا كانوا يفضلون جعل مدينتهم مكان جذب سياحي يقصده الغرباء من خارج المدينة ليستفيدوا اقتصاديا أم أنهم يرغبون في جعل مدينتهم مكانا للسكن الهادئ من دون ضجيج القادمين ومنافستهم على الخدمات العامة والأماكن الترويحية.
أهمية إعادة النظر في مفهوم إدارة المدن وأهمية القرار المحلي تتضح حين تكون هناك محاولات في تطبيق التقنية الالكترونية في العمل الحكومي. لا نستطيع الحديث عن حكومة إلكترونية دون أن نحدد دور الحكومة في المجتمع وما هو المتوقع منها وعلاقة المواطنين بالحكومة والعكس. بمعنى آخر يلزم لتطبيق الحكومة الإلكترونية ثقافة سياسية تستند على الشفافية والمساءلة وحرية التعبير. وإذا كان القرار العام هو حصيلة الفعل السياسي فإن السياسة تعني الحوار والنقاش والتفاوض لجميع السكان أو نوابهم للوصول إلى قرارات وسياسات عامة مرضية لجميع فئات المجتمع بمختلف رغباتهم واحتياجاتهم ومصالحهم. ولأن الإدارة المحلية أو إدارة المدن أو حين تكون أكثر تطورا وندعوها الحكومة المحلية هي التي تهتم بالشؤون اليومية والقريبة للسكان، فإن تطبيق الحكومة الإلكترونية يكون أكثر أهمية على المستوى المحلي عنه على المستوى الإقليمي والوطني. على وجه التحديد لتطبيق الحكومة الإلكترونية يلزم أولا وقبل أي شيء تأهيل النظم السياسية والإدارية، بحيث تكون النظم الإدارية المحلية قادرة على صنع القرارات الصحيحة في الوقت المناسب. هذا يستلزم إعادة صياغة مفهوم صناعة القرار العام وطرق تقديم الخدمات العامة وخلق ثقافة إدارية قائمة على الرأي العام المحلي كمتطلب أساس لتنفيذ الحكومة الإلكترونية في إدارة المدن. يستند هذا المفهوم على تصور أن سكان المدن هم أعرف الناس بمصالحهم ومشاكلهم المحلية. لذا يكون نهج اللامركزية من أهم ركائز تطوير الإدارة المحلية. وبذلك تكون تقنية الاتصال آلية فاعلة لاستشفاف الرأي العام والتعرف على المشاكل الاجتماعية والفنية في المجتمع المحلي. فصناع القرار المحلي تلزمهم المعلومات الدقيقة المصنفة التي تنبئ عن الرأي العام المحلي "المشاكل والاحتياجات والإمكانات والأهداف المحلية في الحاضر والمستقبل". توفر هذه المعلومات من شأنه جعل القرار المحلي أكثر فاعلية في الاستجابة للمتطلبات الاجتماعية المحلية. ومتى ما كان هناك إطار قانوني إداري يمنح الإدارات المحلية والإقليمية الاستقلال المالي والإداري حينها يمكن تطبيق الحكومة الإلكترونية، بل تفعيل دور المجالس الإقليمية "المناطق" ومجالس المحافظات والمجالس البلدية بتبني استراتيجيات تطبيق التقنية المعلوماتية في الاتصال بالإدارات الحكومية من جهة وعموم السكان من جهة أخرى. إن ما يجب أن نتنبه إليه في هذا السياق هو أن تهيئة النظم الإدارية القادرة على استيعاب التقنية الحديثة ليس لزيادة التحكم والرقابة الإدارية وإنما لزيادة التفاعل مع والانفتاح على المجتمع.
إن التحدي الذي نواجهه في الوقت الحاضر هو الانتقال من النموذج البيروقراطي "المركزية، هرمية السلطة، والعمل في اقتصاد محدد مكانياً" إلى نموذج حكومي متكيف مع الواقع، والعالمية، واقتصاد رقمي مبني على المعلومات، والتغيرات الاجتماعية، فالتنظيم البيروقراطي بطيء لا يتناسب مع وقع التغيرات في بيئة المنظمات العامة.
من هنا فإن تطبيق الحكومة الإلكترونية يستلزم إحداث نقلة نوعية في التنظيم البيروقراطي تشمل زيادة سرعة وحجم نقل المعلومات، وتقليل تكاليف العمل، والتغيير في المهارات المطلوبة. هذا بطبيعة الحال يتعارض فلسفيا مع التنظيم البيروقراطي التقليدي الذي يتصف ببطء نقل المعلومات وثبات المتطلبات المهارية. ما يعني أن الافتراضات الحالية للبيروقراطية فيم يخص التحكم والسيطرة، وتحديد التخصصات داخل الهرم الإداري، وحتى تسلسل السلطة نفسه محل تساؤل وشك في قدرته على استيعاب إمكانات الاتصال وتقنية المعلومات الحديثة.
إن الظروف المحيطة بنا والمعطيات والمستجدات على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية تشير إلى حتمية مواكبة التقدم التقني في مجال المعلومات والاتصال في القطاع الحكومي حتى نتمكن من تحقيق مركز تنافسي في الاقتصاد العالمي. إلا أن ذلك لا يتأتى إلا من خلال إيجاد نظم إدارية مبنية على الشفافية والمساءلة والمرونة والكفاءة والفاعلية.
إن الخطط المحلية في إدارة المدن لا تعني تقديم الخدمات فحسب، ولكن صنع السياسات والتنظيمات العامة المتعلقة بالتنمية الاقتصادية وما تتضمنه من إيجاد فرص استثمار ووظائف وأعمال ومشاريع جديدة. من هنا تنبع أهمية إدارة المدن في قدرتها على التعرف على المشاكل المحلية قبل وقوعها أو استفحالها ووضع الحلول المناسبة للتخفيف منها أو معالجتها والقضاء عليها. مشاكل مثل الفقر والإرهاب والتلوث البيئي وغيرها لا يمكن حلها والتعامل معها إلا محليا.
المحلية لا تعني فقط الجانب الإداري ولكن جميع الأنشطة الإعلامية والتعليمية والاجتماعية والمهنية والاقتصادية. فتحقيق المحلية والتثقيف المحلي وإحداث التغيرات الاجتماعية المطلوبة يستلزم إذاعات محلية، ومقررات ومناهج وسياسات تعليمية محلية، وجمعيات مجتمع مدني محلية وهكذا يكون هناك مسؤوليات محلية شاملة لجميع الأنشطة وشؤون الحياة التي تهم سكان المدن.
هذا لا يلغي بطبيعة الحال الاستراتجيات الوطنية التي تلعب دورا مهما في تنسيق وترشيد الجهود نحو أهداف استراتجية تكاملية تجعل جميع المحليات تسهم في تحقيقه بما يعود بالنفع على الجميع. بل إن هذه الاستراتجيات الوطنية قد تكون آلية في الدفع نحو الاستقلال المالي والإداري للمحليات بحيث يتم تخصيص موارد مالية لكل منطقة ومن ثم لكل محافظة تكون لها كامل الحرية في إنفاقها حسب احتياجاتها وتوجهات سكانها. قد تكون هذه المخصصات بالتساوي بين المناطق أو قد تكون حسب عدد السكان أو حسب الإنتاج المحلي لكل منطقة ومحافظة. المهم أن يكون هناك مخصصات لكل منطقة ومحافظة ويتبنى عملية الصرف مجالس المناطق ومجالس البلديات وتكون مسؤولة مسؤولية مباشرة من السكان بحيث يكون هناك اجتماعات مفتوحة أو تواصل إلكتروني مع الأعضاء المجالس بالإضافة إلى المساءلة القانونية من الحكومة المركزية.
ونافلة القول إنه من الضروري تصحيح مفهوم إدارة المدن والتحول من أجهزة لفروع الوزارات "تقدم خدمات واتخاذ القرار في إطار بيروقراطي من أعلى إلى أسفل وباتجاه واحد دون أخذ الرأي العام المحلي بعين الاعتبار على أقل تقدير من الناحية القانونية"، إلى هيئة محلية تمثل سكان المدن وتتبنى احتياجاتهم. الظروف مواتية لهذا التحول فالموارد البشرية المحلية مهيأة لان تتولى مراكز قيادية، إضافة إلى أن معظم المدن تمتلك بنى تحتية وموارد طبيعية بكرا تحتاج إلى التنمية والاستكشاف وتطوير الحرف والمهن المحلية التقليدية. إدارة المدن بمفهومها الجديد ستعطي مرونة أكبر في عملية اتخاذ القرار بما يتناسب مع المعطيات العالمية والتنافس الاقتصادي ويدفع سكان المدن نحو المساهمة الفاعلة في التنمية المحلية.

 

د. عدنان بن عبد الله الشيحة  –  14/11/1427هـ صحيفة الاقتصادية الالكترونية – كُـتـّاب الاقتصادية  ©

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.