دبي: نهضة اقتصادية واعدة وذاكرة البحر والصحراء

حققت إمارة دبي خلال العقود القليلة الماضية قفزة اقتصادية نوعية خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي حدا بالكثير من المراقبين إلى عقد مقارنات بين التطور الاقتصادي الهائل الذي تشهدته هذه الإمارة الخليجية والمعجزة الاقتصادية التي حققتها سنغافورة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

دبي

نهضة عمرانية هائلة في دبي

وقد انعكس ذلك التطور في مؤشرات الأداء الاقتصادي لدبي، لتصبح هذه الإمارة رمزا اقتصاديا يجعل الكثير من المراقبين يمعنون النظر في العوامل الكامنة وراء نهضتها الاقتصادية وما تضج به من وعود كبيرة للنمو في المستقبل.

نهضة عمرانية

والأصوات الصادرة عن أعمال البناء الحثيثة لا تفتأ تلاحق المرء أينما حل في هذه الإمارة الخليجية التي تعانق البحر من جهة، وتحتضنها الصحراء من جهة أخرى.

ومشاهد الرافعات التي تلوح للناظر أينما أجال البصر في دبي تجعل من هذه المدينة تبدو في أعين الزائر والمقيم، على حد سواء، كما لو كانت ورشة إعمار مترامية الأطراف لا تكل ولا تهدأ.

ويلاحظ الصحافي الاقتصادي إبراهيم خياط أن الطفرة العمرانية في دبي تزامنت مع ارتفاع مستوى العائدات النفطية لدول الخليج.

ويقول خياط: "منذ أربع سنوات تشهد إمارة دبي طفرة عقارية تزامنت مع الطفرة النفطية التي شهدتها منطقة الخليج، حيث كانت دبي الأكثر نضجا فيما يتعلق بإيجاد أوعية استثمارية مناسبة للاستثمار في هذا القطاع، حيث إن العائد الاستثماري على التطوير العقاري في دبي يتراوح بين 20 إلى 40 في المائة. وهذه نسبة عالية جدا".

ويضيف: "وبالتالي كان هناك إقبال كبير، لا سيما بعد 11 أيلول/سبتمبر، من المستثمرين العرب، في منطقة الخليج خصوصا، لتحويل جزء من أموال الطفرة النفطية إلى هذا القطاع".

فوائد البحر والنفط

وقد اندرجت في معادلة النهوض الاقتصادي في دبي جملة من العوامل كان من أبرزها الاستفادة من موقعها الجغرافي كمرفأ مفتوح وتوظيف العائدات النفطية في مشاريع مجدية تضع نصب أعينها هدف تنويع موارد الاقتصاد.

ويقول إدموند أوسوليفان، مدير تحرير نشرة ميد الاقتصادية المتخصصة بالشرق الأوسط: "لقد كانت دبي على مدى مائة عام مرفأ تجاريا حرا، وكان هذا أمرا فريدا من نوعه في الخليج وأضفى عليها أفضلية تنافسية".

ويردف قائلا: "وقد استفادت دبي من ذلك عبر إيجادها هنا مرفأين يُعتبران معا المركزين الأكثر حركة للشحن عبر المنطقة، بحيث إنهما يتعاملان بنحو 6 ملايين حاوية في السنة".

ويعرب أوسوليفان عن اعتقاده بأنه "من المرجح لهذا الرقم أن يتضاعف في السنوات الخمس المقبلة".

ويستطرد قائلا: "والعامل الثاني هو النفط الذي اكتُشِف في الستينيات، والذي تراجعت أهميته منذ ذلك الحين".

إلا أنه يستدرك قائلا: "ولكن النفط لا يزال على الرغم من ذلك يلعب دورا في الموارد المالية للحكومة، ويشكل نحو 10 في المائة من الاقتصاد الوطني".

"رزق البحر"

وقصة دبي مع البحر كمصدر للرزق والخير تضرب جذورها عميقا في تاريخها.

ويشير الدكتور السيد باقر الهاشمي، الباحث الإماراتي في التاريخ والتراث، إلى أن "سكان الإمارات عاشوا مع البحر. وكان المصدر الأساسي للرزق الحلال الذي كانوا يحصلون عليه من البحر".

ويستشهد بمثل سائر في الإمارات يقول: "رزق البحر بحرا".

ويشرح هذا المثل قائلا: "يعني أن الرزق ليس محدودا، بل إنه ممدود".

ويمضي الهاشمي في حديثه ليأتي على ذكر الأيام الخوالي التي كان فيها السكان "يمخرون عباب البحر البحر لستة أشهر أو ثلاثة أشهر، ليرجعوا بعدها ومعهم اللؤلؤ".

ويضيف أن البحر شكل طريقا للتجارة بين الإمارات ومناطق أخرى في العالم، وخصوصا الهند وسواحل أفريقيا الشرقية.

ويقول إن التجار كانوا "يجلبون معهم من الهند أو من مناطق ثانية القماش، والسكر، والأخشاب، وأشياء أخرى من هذا القبيل".

ويلفت إلى أن البحر لعب تاريخيا دورا بارزا كمصدر للغذاء والدخل أيضا بالنسبة لسكان المنطقة.

ويقول: "والسمك كان يُمَلَّح. قسم يُباع محليا، وقسم يُصدّر إلى الخارج".

الطيران والخدمات

وبالإضافة إلى الاستفادة من البحر والثروة النفطية، فقد عملت دبي على دخول شتى قطاعات الخدمات.

ويقول أوسوليفان: "إن العنصر الكبير الجديد هو الطيران. فمطار دبي الدولي هو أكثر المطارات حركة في الجزيرة العربية، فقد تعامل العام الماضي (2005) مع 35 مليون مسافر".

ويتابع قائلا: "وبحلول عام 2012، سيتم افتتاح مطار ثان في جبل علي، جنوبي المطار الرئيسي، وهذا مُصَمَّم لاستيعاب زهاء 120 مليون مسافر".

ويخلص إلى القول: "وهكذا ففي غضون مدة قدرها 20 سنة تقريبا ربما ستكون لدى دبي القدرة على التعامل مع حوالي 200 مليون مسافر".

فضلا عن ذلك فإن "دبي تروّج حاليا لصف من صناعات الخدمات"، يقول أوسوليفان.

ويضرب على ذلك مثلا "صناعة الخدمات المالية التي يجري الترويج لها في مركز دبي المالي الدولي".

ويقول: "والفكرة هي إقامة مركز مالي من الطراز العالمي بمعايير دولية للتنظيم ستكون جذابة لشركات الاستثمار الدولية".

ويلفت أيضا إلى أن "السياحة باتت حاليا ذات قدم راسخة في دبي. فدبي هي المقصد السياحي الأكثر حركة والأسرع نموا في المنطقة".

قرار سياسي

ويؤكد المؤرخ الهاشمي بأن نهضة دبي جاءت نتاجا لقرارات سياسية صائبة.

ويقول إن حكام الإمارة كانوا يتمتعون برؤية ثاقبة فيما يتعلق بتوظيف إمكانات الإمارة الاقتصادية.

ويقول إن حاكم دبي الأسبق الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم "بالذات كان عنده عقل متنور، اقتصادي، أنتج هذه الطفرة العمرانية".

ويرى الهاشمي أن دبي بسبب سياسات الشيخ راشد باتت تشكل "مكانا آمنا لكثير من الشركات، وكثير من المستثمرين، وأي شخص يريد أن يستثمر".

ويمضي إلى القول: "ومن ثم من المعروف أن صاحب السمو الشيخ محمد (بن راشد، حاكم دبي الحالي، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس الوزراء)، أكمل المسيرة".

ويخلص إلى القول: "في الحقيقة، إن الطفرة العمرانية، الطفرة الاقتصادية هذه، تعود إلى الأيادي الأمينة التي انتهجت هذا الأسلوب، والتسهيلات الموجودة، مثل عدم جباية ضرائب مثلا، أو ما شابه ذلك".

عوائق هيكلية

ولكن ثمة عوائق هيكلية تعترض طريق هذا النمو المحموم والمتعدد الأوجه والأبعاد الذي تخوض دبي غماره، وهي بحاجة إلى حلول ناجعة.

ويقول إبراهيم خياط: "هذه السوق تشهد نموا متسارعا ولكن أعاقتها في مراحل النمو المتسارعة عوائق من قبيل عدم وجود قوانين وتشريعات تتيح الملكية 100 في المائة".

ويضيف: "أيضا تطورت الأوعية المالية التي كانت تستطيع أن تؤمن مشتقات مالية لتمويل عمليات التملك".

كما أن هناك عقبات تتمثل "بالتشريعات الإجتماعية الخاصة بالعمل"، يقول خياط، موضحا: "أي التشريعات التي تعطي العمال حق الإنضواء والإنخراط في نقابات إلخ. وبالتالي هناك تجمعات للعمال بدأت تتمرد على المقاولين، وبالتالي هناك أحيانا حالات إضراب".

انتقائية بوجه عربي

وقد اختطت دبي لنفسها نهجا انتقائيا وهي تشق طريقها نحو النهوض الاقتصادي، بحيث استوحت مزيجا من الدروس المستقاة من تجارب دول أخرى في هذا المضمار، مع إصرارها في الوقت عينه على أن تحافظ على وجهها وهويتها العربيين.

ويقول أوسوليفان: "لقد استندت دبي بحرية إلى نماذج أخرى. فهي قد تأثرت كثيرا بما تحقق في سنغافورة. فسنغافورة في الستينيات تحولت من كونها قاعدة بحرية بريطانية ذات دخل متدن إلى كونها نموذجا اقتصاديا لمنطقة جنوب شرق آسيا".

ويردف قائلا: "أما القرار بتعزيز السياحة وصناعات الترفيه فهو متأثر بالتأكيد بلاس فيغاس في أمريكا".

إلا أنه يستدرك قائلا: "ليس هناك قمار هنا بالطبع. ولكن بناء مدن ملاه وترفيه ضخمة بغية اجتذاب السياح من كافة أرجاء العالم هو أمر تأثر بما فعله الأمريكيون في ديزني لاند".

ويمضي إلى القول: "ناهيك عن أن هناك بالتأكيد تأثير عربي وإسلامي".

ويخلص إلى القول: "فدبي لا تريد أن تكون مدينة دولية. إنها تريد أن تكون مدينة عربية في العالم".

وهكذا تختلط في تجربة النهوض الاقتصادي في دبي مشاهد لناطحات السحاب والعمارات الشاهقة، بمشاهد لأماكن ترفيهية وسياحية، ولمجمعات صناعية وإعلامية، ولمكاتب لشركات عالمية وإقليمية ومحلية، ولصناعةِ السفر والشحن جوا وبحرا.

وهي تجربة رغم حرصها على الإغراق في خوض غمار العولمة، يخيم عليها قلق على الهوية تتداخل فيه صور من ذاكرة البحر والصحراء.

© خليل عثمان
بي بي سي – دبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.