إعادة تأهيل وتفعيل المسكن الريفي التقليدي المنتج كأحد مرتكزات تنمية الريف المصري في عصر العولمة

للكاتبين

خالد محمود هيبة ، خالد مصطفى خورشيد

قسم العمارة كلية الهندسة جامعة الأزهرالقاهرة جمهورية مصر العربية

ملخص البحث:

عرف الإنسان المصري القديم منذ القدم، ومنذ اعتمد الزراعة كمهنة أساسية له، توظيف المواد المتاحة في بناء

مسكن ملائم له، فكانت البدايات الأولى مع استخدام المواد الخفيفة من أغصان وغيرها في تشييد الأكواخ التي استخدمت

في عصور ما قبل الأسرات من التاريخ المصري كمساكن ذات تخطيط مستدير، كما استخدم سعف النخيل وأوراق

نبات السمار في صناعة الحصير، كما صنعت الأعمدة على شكل حزم البوص فكانت عبارة عن أغصان مضفرة مغطاة

بالطمي، ليتعرف بعد ذلك على العديد من مواد البناء الأخرى المتاحة ويوظفها وعبر ألاف السنين لإنتاج مسكنه

كالطمي والطوب النيئ والأحجار التي استخدمت في تنفيذ أساسات المسكن، كما وظف الأخشاب القليلة المتاحة كأسقف

وشدادات ودعامات، ومع استخدام تلك المواد تم استبدال التخطيط المستدير بالتخطيط المستطيل ذي الجوانب الأربعة

بجدران خارجية سميكة وأجزاء داخلية رقيقة، الأمر الذي استمر وللآن في إنتاج المسكن الريفي التقليدي، كما كان إنتاج

هذا المسكن يتم بصورة جماعية من خلال المشاركة المجتمعية في إنتاجه والذي مثل فضلا عن وظيفته الأساسية وعلى

امتداد التاريخ وحدة إنتاجية تعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي لساكنيه وتقوم بتصريف الزائد عن حاجتها، فاكتسب

المسكن الريفي بذلك خلال عشرات العقود وعبر مختلف العصور وصولا لمنتصف القرن العشرين مظاهر عدة مثلت

في أغلبها مميزات إلا أنه كانت هنالك أيضا أوجه للقصور وهو ما ترصده الدراسة.لذا كان من الضروري البحث عن صيغة لتطوير القرية المصرية بعد قيام ثورة يوليو عام ١٩٥٢ م، حيث كان اهتمام

الدولة الرئيسي حينئذ ولأول مرة في التاريخ المصري بالطبقة العاملة من الفلاحين كونهم مثلوا عماد تلك المرحلة التي

استهدفتها الثورة في دعم توجهاتها الوطنية، فكانت المحاولات الجادة لدراسة الارتقاء بمستوى المعيشي لتلك الطبقة

بالوصول إلى تصميم اقتصادي للمسكن الريفي يفي باحتياجات السواد الأعظم منها اجتماعيا وصحيا، في سبيل ذلك

قدمت العديد من الهيئات والشركات نماذج متعددة من المسكن الريفي في محاولة للوصول إلى نموذج لتحقيق الأهداف

التنموية الخاصة بالدولة، والتي كانت تعمل في تلك الفترة على رفع المستوى الاجتماعي والصحي والحضري للفلاح،

ولعل في النماذج التي نفذت في مشروعات مديرية التحرير والقرى النموذجيةبأبيس وغيرها دليل على ذلك.إلا أن تلك التجربة ونتيجة لمؤثرات ومتغيرات عدة سياسية واقتصادية واجتماعية لم تمتد لتشمل الريف المصري

الممتد وانحصرت في تجارب عدة تحاول الدراسة رصدها، ولتؤثر تلك المتغيرات وهذه المؤثرات على مسار حياة

الفلاح المصري التقليدية ليتحول بسببها من الإنتاج إلى الاستهلاك، وبخاصة مع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في

مصر عام ١٩٧٤ م وبزوغ العديد من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت تلك الفترة كهجرة الفلاح لأرضة

ومهنته بحثا عن دخل أكبر في دول النفط الصاعدة ليعود ويوظفه في نمط استهلاكي بداية من تحويل مسكنه بما لا

يتلاءم مع احتياجاته ومتطلبات حياته التي اختلف نهجها من الإنتاج إلى منافسة المدينة في الاستهلاك، ولتسود الريف

المصري عشوائية من المباني الخرسانية التي شوهت في سنوات قليلة عمارة القرية المميزة، فأصبحت امتداداتها

(الرأسية والأفقية ) تشابه تماما عشوائيات المدينة المعاصرة، فضلا عن المتغيرات السلبية المصاحبة لذلك كسواد مفهوم

تخلف البناء بالمواد المحلية والتميز بالبناء بالخرسانة المسلحة واعتبار ذلك تحضرا، ولتتحول عناصر الوحدة الإنتاجية

بالمنزل إلى نوعا من أنواع التخلف مما جعل المسكن الريفي يتحول مع نهايات القرن العشرين المصاحبة لبدء عصر

العولمة إلى وحدة استهلاكية.لذا كانت الضرورة في البحث عن معايير لتطوير المسكن الريفي التقليدي المنتج لمحاولة الوصول إلى نمط حديث ذو

ملامح مميزة تستوحي التراث شكلا وتحتوي مفهومه الإنتاجي الملائم مضمونا، وذلك من خلال دراسة المتغيرات التي

أثرت على شكل ذلك المسكن المنتج وحولته لنمط مغاير، وكذا دراسة نموذج أخر معاصر متمثل في مسكن قرى

الخريجين كونه يمثل محاولة لإعادة تفعيل وتأهيل المسكن الريفي المنتج في عصر العولمة كأحد أهم مرتكزات تنمية

الريف المصري المعاصر، وهو ما تتناوله الدراسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.