توظيف التصميم العمراني للحد من الجريمة في المناطق السكنية

توظيف التصميم العمراني للحد من الجريمة في المناطق السكنية

حالة دراسية للأحياء السكنية المعاصرة بمدينة الرياض 

علي بن سالم بن عمر باهمـام  

 قسم العمارة وعلوم البناء ، كلية العمارة والتخطيط، جامعة الملك سعود

 تزداد مشكلة الأمن في المدن الكبيرة، نظراً لاتساع أحيائها السكنية، وزيادة كثافتها السكانية، فضلاً عن اتساع نشاطها الاقتصادي بما يصحبه عادة من ضعف في العلاقات والمفاهيم الاجتماعية التقليدية.  وقد اتسع النطاق العمراني لمدينة الرياض خلال العقدين الماضيين، وانتشرت معه المناطق السكنية المعاصرة التي تم تصميم وتخطيط غالبية أحيائها بطرق تختلف عن النمط التقليدي. وتوجد العديد من الطرق العقابية والعلاجية والوقائية للحد من الجريمة وإشاعة الأمن في المناطق العمرانية ، كما يلعب أسلوب تخطيط وتصميم البيئة السكنية وطريقة تشكيلها دوراً هاماً وفعالاً للغاية في تقوية العلاقات الاجتماعية بين السكان، وإحساسهم بالأمن ومشاركتهم الفعالة في إيجاده، وفي تقليص الفرص المتاحة للجريمة، والرفع بالتالي من مستوى الأمن في الأحياء السكنية. وفى هذه الدراسة تمت مناقشة جوانب التصميم العمراني المؤثرة في الرفع من مستوى الأمن بالأحياء السكنية، وإبراز أهم المعايير التصميمية المساهمة في تحسين بيئة الأحياء السكنية من خلال خفض فرص الجريمة بها، وتقويم مدى تطبيق هذه المعايير في عدد من الأحياء السكنية المعاصرة بمدينة الرياض وتحديد جوانب القصور فيها. وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن الكثير من المعايير التصميمية التي تساهم في الحد من الجريمة قد تم إهمال تطبيقها في غالبية الأحياء السكنية المعاصرة في مدينة الرياض.  كما ظهر أن تطبيق معيار واحد فقط، يتمثل في تحويل الشوارع العابرة بحي النزهة إلى مجموعة من الشوارع ذات النهايات المغلقة، ينتج عنه تحسن ملحوظ في تحقق العوامل التي تساهم في الحد من الجريمة في المناطق السكنية.  وفي هذا مؤشر واضح إلى إمكانية القيام بإجراء الكثير من التعديلات الإيجابية على القائم من الأحياء السكنية المعاصرة.   كلمات الفهرسة: الرياض، العمران، الأحياء، السكن، الأمن، الجريمة، أنماط، معايير. 

Applying Urban Design to Prevent Crime in Residential AreasA Case Study of the Contemporary Neighborhoods in RiyadhThe problem of crime increases in large cities, due to the expansion of the residential neighborhoods and the growth of the population, as well as the increase in the economic activities, which is usually accompanied with weakness in the traditional social relationship concepts.  Riyadh’s urban limit has expanded simultaneously with its contemporary residential areas during the last two decades. The design and planning of these neighborhoods were executed differently from the traditional pattern. Punishment, rehabilitation, and preventive means have been applied to limit crime and spread security in urban areas.  Despite that, the design and planning method of residential areas plays an essential and active role in strengthening the social relation among residents.  It also gives them a feeling of security, and allows them to participate in reducing the potential of criminal activities and increasing the level of security within their neighborhoods.  Therefore, the aim of this paper is: first, to discuss the role of urban design in increasing the level of security in residential neighborhoods. Second, to present the most important and effective criteria for improving the residential environment and reducing crime opportunity in residential areas.  Third, to evaluate the application level of these criteria in a number of Riyadh’s contemporary residential neighborhoods, in order to determine the insufficiency in their design and planning in relation to the security issue. The study shows that the application of many design criteria, which play a role to reduce crime, have been ignored in most of Riyadh’s contemporary neighborhoods.  It also shows that reapplying one criterion, via changing through-traffic streets to dead-end streets in Al-Nuzha neighborhood, creates noticeable improvement.  This clearly indicates the possibility to make sizable positive alterations to improve the contemporary residential neighborhoods.   Key words: Riyadh, urbanization, neighborhood, dwelling, security, crime, patterns, criteria. 

 

المقـدمـة

شهدت المملكة العربية السعودية خلال العقود القليلة الماضية نهضة تنموية شاملة، تميزت بسرعة مواكبتها للمعطيات المعاصرة.  وتجسدت شواهد التنمية والتغير بشكل واضح في مدن المملكة التي شهدت تجربة عمرانية هائلة بشكل عام ونمواً كبيراً في قطاع الإسكان الذي يغطي الغالبية العظمى من النطاق العمراني للمدن بشكل خاص.  فعندما تأسست المملكة العربية السعودية، في عام 1353هـ 1932م، كانت الرياض على سبيل المثال مدينة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلو مترات مربعة وذات نسيج عمراني تقليدي، ولا يزيد عدد سكانها عن ثلاثين ألف نسمة (الحصين 1417هـ).  ومنذ ذلك الوقت نمت مدينة الرياض لتصبح عاصمة حضارية حديثة تبلغ مساحة نطاقها العمراني بمرحلتيه الأولى والثانـــية (1782كم2)، وتغطي حدود المدينة المطورة في الوقت الراهن حوالي (800كم2) تشكل نسبة الاستعمالات السكنية فيها أكثر من (80%)، ويسكنها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة (الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض 1420هـ).  وقد اعتمد في غالبية هذا النمو الكبير والسريع على استخدام نمط عمراني ومعماري جديد ومختلف عن النمط التقليدي.  حيث تميز النمط الإسكاني الحديث بالشوارع الشبكية المستقيمة ذات التصميم الموجه لحركة السيارات، وكذلك بالوحدات السكنية المنفصلة (الفيلات) ذات الارتدادات من جميع الجهات.  وانتهت بذلك سيطرة السكان على الطرق والساحات الخارجية المشتركة لانتقالها من الإذعان المتحد سابقاً، بين السكان المجتمعين كفريق واحد في النسيج العمراني التقليدي، إلى الإذعان المشتت في النسيج العمراني المعاصر (أكبر 1412هـ).  أثرت العديد من العوامل الدينية والمناخية والسياسية والاجتماعية على النسيج العمراني التقليدي في المدن العربية.  ونتيجة لذلك نجد أن جميع المباني في الحي متداخلة من دون حدود أو علامات بارزة وكأنها نسيج من التمويه المتعمد الذي يلغي الفردية ولا يشجع عليها.  فيصعب على العابر في الحي تمييز حجم أو حدود المسكن في النسيج العمراني التقليدي للمدن، والجزء القديم من مدينة الرياض مثل على ذلك.  فالعابر في الطرق والممرات والأزقة المتعرجة للنسيج التقليدي لا يستطيع تحديد حجم أو هوية المسكن ومستوى ثراء الأسرة من الخارج، حيث تظهر جميع المباني متشابهة عند النظر إليها من الخارج، وذلك راجع للتوحد في استخدام مواد البناء وطريقة إنهاء المباني من الخارج (Ishteeaque 1993). يتميز نظام الطرق في النسيج التقليدي بالتتابع والتدرج الهرمي من العام إلى شبه العام إلى شبه الخاص فالخاص.  بحيث تظهر كل منطقة بحدودها الواضحة وهويتها المستقلة ووظيفتها المميزة، مما يحد من عبور الغرباء غير المرغوب فيهم، ويمكن السكان من إدراكهم بوضوح عند تواجدهم داخل الحي، كما يمنحهم السلطة النفسية لسؤالهم والاستفسار عن سبب وجودهم. كما أن الانحراف في المجتمعات التقليدية يكاد يكون معدوماً بسبب قوة عوامل الضبط الاجتماعي والأسري وخضوع الفرد خضوعا كاملاً لقيم وتقاليد المجتمع (السيف 1410هـ).  ولأن طبيعة المجتمع المحلي تعد من أهم المؤثرات الاجتماعية على سلوك الفرد، فإن نوعية الجرائم التي تسود في الريف تختلف عن نوعية الجرائم التي تسود في الحضر أو المدن، كما أن هناك علاقة بين الجريمة وطبيعة المنطقة السكنية.  حيث يتسم نمو العمران الحضري للمجتمعات باختلاف الثقافات وانتشار العلاقات السطحية أو غير العميقة بين أفراد المجتمع، وهو ما يؤدي إلى انتشار نوع من "الفوضى" التي تشجع على الجريمة (عبدالله 1411هـ).  فتركيز السكان وزيادة كثافتهم في المدن الكبرى وتعدد العلاقات الاجتماعية وتشابكها يؤدي إلى تناقض مفهوم التكافل الاجتماعي بالقياس بأهل الريف، وهذه الخاصية في حياة المدن الكبرى تؤدي إلى ظهور العديد من مظاهر الانحراف والجريمة (خليفة 1987م). يخبرنا تاريخ البحث الاجتماعي في ميدان المدينة والجريمة بأن هناك تلازما بين الانحرافات السلوكية واتساع العمران.  بمعنى آخر أن كبر حجم المدينة وتعقيد العلاقات فيها يصاحبه تحلل من التقاليد وضعف في الضبط الاجتماعي.  كما كشفت العديد من الدراسات عن وجود علاقة طردية بين زيادة نسبة الجريمة وكبر حجم المدينة من حيث الكثافة السكانية (الحماد 1405هـ).  فالعلاقات بين سكان المدن الحديثة تتجه نحو الفردية والنفعية وضعف التماسك الاجتماعي، وتفقد بالتالي العادات والتقاليد والأعراف  الكثير من قوتها مما يساعد على تطور الجريمة وأشكالها وأنواعها والأساليب المستخدمة في ممارستها (الربايعة 1404هـ). وتتسم المدن الكبرى بترامي أطرافها واتساع مساحتها اتساعاً مصحوبا بالعديد من الطرق الرئيسة والفرعية، وكذلك بتعدد وتنوع أحيائها. كما تتسم بوجود علاقات اجتماعية متشابكة ومعقدة لكثافة سكانية كبيرة في منطقة جغرافية محددة، وارتباطها بنشاط اقتصادي وتجاري واسع.  لذا فإن التطور المستمر والنمو المتواصل للمجتمعات في المدن الكبرى يفرز دائما أنواعا مستحدثة من السلوك الإجرامي (عبدالله 1411هـ). مما لا شك فيه أن للتحضر في المدن الكبرى العديد من المظاهر الإيجابية التي من أهمها ارتفاع مستوى معيشة ودخل الأفراد، وانتعاش الحياة الاقتصادية، وتزايد نسبة المتعلمين، وارتفاع مستوى أداء الخدمات مقارنة بحياة الريف.  إلا أن له أيضاً مظاهر سلبية مثل التباين الكبير بين الطبقات الاجتماعية، وبروز مشكلات الهجرة الخارجية والداخلية سعيا لرزق أوفر، التي يصاحبها في العادة زيادة مشكلات الشباب، وضعف الوازع والروابط العائلية والأسرية وتفككها في بعض الأحيان، وغيرها من المظاهر السلبية (عبدالله 1411هـ).  فعندما تتسع المدينة وتصبح ذات كثافة سكانية مرتفعة يرتفع بها مستوى الاحتياجات الإنسانية مما قد يتسبب في ازدياد القلق النفسي بين الشباب، كما أن توفر سبل ووسائل الاتصال بين شتى دول العالم قد يساعد على انتقال أنماط الجريمة والانحراف من مكان إلى آخر وخاصة في المدن.  كما ترسل المدينة للفرد خطابا مزدوجا متناقضا تتصارعه قوى السوق الخاضعة للمال وقوى الأخلاق وتعطي الحظوة للأولى على حساب الثانية (بوكراع 1406هـ). يتضح مما سبق أن الجريمة – كشكل من أشكال الخروج على قواعد الضبط الاجتماعيترتبط ارتباطا مباشرا بطبيعة الحياة في المدن.  ونجد بالتالي أن استقرار الأمن في المدن الكبرى مرتبطٌ بجهود مختلفة ومتشعبة للأجهزة الأمنية ضد الجريمة، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة.  وممَّا زاد الأمر تعقيداً دخول العديد من المجتمعات العربية بشكل سريع في مرحلة تمدن تختلف حضاريا وثقافيا عما اعتادت عليه.  فتزعزعت نتيجة لعمليات التحضر السريعة الكثير من القيم والعادات والمفاهيم التقليدية وظهرت الكثير من القيم الجديدة، خاصة تلك التي تعطي المال أهمية كبرى.  لقد استوردت المجتمعات العربية في هذا العصر مثل الكثير من الدول النامية انساقاً قيمية صالحة للمجتمعات التي ولدت فيها، وبعض أساليب الحياة الغربية العصرية التي قد لا تتفق مع طبيعة المجتمعات العربية وما تميزت به، ونماذج معمارية وعمرانية مستجدة، فظهر التفكك والتشكيك في قيمها التقليدية، ولم تستطع المجتمعات العربية لعوامل ثقافية وحضارية أن تتكيف مع تلك الأنساق المستوردة (حسون والرفاعي 1408هـ).  وهو ما أفرز بعض التصدعات في البناء الاجتماعي، ظهرت في صور شتى مثل التفكك الاجتماعي وضعف القيم البيئية الأصلية وظهور بعض المشكلات المتصلة بالجريمة والانحراف، وغيرها من المظاهر الاجتماعية السلبية، التي أدت إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع، ونشر الخوف في نفوس أفراده. فنجد – على سبيل المثال – أن برامج التنمية الطموحة، التي شهدتها المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية والتي لا تزال تشهدها حتى وقتنا الحاضر، تتطلب توافد الأيدي العاملة بأعداد كبيرة من مجتمعات وخلفيات ثقافية وعرقية عديدة، حتى غدت المملكة الدولة الأولى في المنطقة في استيراد العمالة، وكان لمدينة الرياض النصيب الأكبر من هذه العمالة الوافدة، ومما لاشك فيه أن هذه العمالة تؤثر مع الهجرة الداخلية على شكل الهرم السكاني وحجم السكان وتركيبهم، حيث تتطلب برامج التنمية اجتذاب فئات عمرية محددة كما تجتذب الذكور دون الإناث.  وقد اتفقت العديد من الدراسات على أن التغير الديموغرافي للمجتمع يحدث تغيرات اجتماعية هامة تعمل على هدم بعض القيم السائدة أو التشكيك فيها، كما تبرز العديد من القيم الجديدة التي تتعارض مع بعض القيم القديمة، مما يعرض المجتمع وتنظيماته إلى أنواع من التفكك والانحلال (حسون والرفاعي 1408هـ).  كما نلاحظ أن نسبة تزايد الحضر في المملكة العربية السعودية تسجل تصاعداً سريعاً، فقد كانت تمثل (9%) في عام 1950م وبلغت (31%) في عام 1974م (حسون والرفاعي 1408هـ).  وقد بلغت (76%) في عام 1995م ويتوقع أن تصل إلى (79%) في عام 2000م (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا 1995م).  وبالنظر إلى معدل النمو السنوي للسكان في مدينة الرياض، حسبما يظهر في الجدول رقم (1)، في كلٍّ من عام 1411هـ وعام 1417هـ يتضح أنه كان على التوالي (8.80% و8.1%) سنوياً.  بينما يمثل نسبة النمو الطبيعي منه فقط (3.30%) سنويا، ويعود الفرق في معدل النمو السنوي هذا إلى نموّ الهجرة، حيث بلغ في عام 1411هـ (5.50%) سنوياً وبلغ في عام 1417هـ (4.8%) سنوياً،  ويتضح أيضاً أن النمو الطبيعي المستقبلي المتوقع للسكان في الرياض حتى عام 1432هـ سوف يتراوح بين  (2-3%) سنوياً فقط.  بينما يعود كبر حجم النمو السكاني للرياض، والمتوقع أن يكــون بمعدل (6-10%) سنوياً، إلى الهجرة التي من المتوقع أن تكون بين

 (4-8%) سنوياً. 

للحصول على ورقة العمل كاملة الرجاء اتباع الرابط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.