فُرص العمل.. وليس.. فرض العمل!!

قضية البطالة قضية شائكة ومعقدة ولها تداعيات اجتماعية واقتصادية كبيرة تطول المجتمع برمته. والبطالة ليست حكرا على دولة دون أُخرى فجميع اقتصادات الدول دون استثناء تعاني منها، وإنما تتفاوت في معدلاتها وأنواعها. والحقيقة إن البطالة ترتبط ارتباطا كبيرا بالنمو الاقتصادي والقوة الصناعية وحجم الطلب العام، ولكن الأهم طبيعة الهيكل الاقتصادي. وحالة الاقتصاد السعودي مثال واضح على أن ارتفاع الدخل الوطني لا يعني بالضرورة زيادة حجم التوظيف، إذ إن جل الاستثمارات موجه نحو قطاعات خدمية مثل العقار وتجارة التجزئة وصناعات تجميعية واستهلاكية، وليس إلى قطاعات الصناعات التحويلية والسلع الرأسمالية. وهكذا تقل كفاءة توزيع الدخل، فالمشاركة في الناتج الوطني تكون محصورة في دائرة ضيقة بحيث إن نسبة قليلة من أفراد المجتمع تستحوذ على النسبة العظمى من الدخل ويكون تدوير الريالات في الاقتصاد قليل، ما يعني نمو الاقتصاد بمعدل أقل بكثير من معدل النمو السكاني. وهنا تكمن المشكلة في بطء النمو الاقتصادي وانحسار الفرص وتراكم الصعوبات وعدم إدراكها وأخذها محمل الجد للتحول مع مرور الوقت إلى جبل ضخم مثل الجبل الجليدي لا نرى إلا طرفه الظاهر وما خفي أعظم. صحيح أن الأغنياء من التجار والصناع سيكونون دائما المستفيد الأول من أي ارتفاع في الدخل الوطني في جميع الأحوال، إذ إن الريالات دائما تجتذب الريالات، إلا أنه يمكن زيادة حظوظ الطبقات الأدنى في السلم الاقتصادي في الاستفادة من الناتج الوطني بإعادة هيكلة الاقتصاد بطريقة تزيد من نصيب الأفراد العاملين في قطاعات الصناعات التحويلية أما عن طريق السياسات المالية بإقامة المشاريع الصناعية الحكومية وشبة الحكومية المتخصصة على غرار مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين والقروض الصناعية التي تحفز الاستثمار في هذا القطاع أو الإجراءات التنظيمية من خلال التراخيص والتسهيلات للمشاريع ذات الدخول المرتفعة، ليحظى الشباب بوظائف أجورها عالية حتى لو تطلب الأمر دعم حكومي تماما مثلما تم في قطاع الزراعة، وتحديدا في مشاريع إنتاج القمح. إن معدلات البطالة ستظل تؤرقنا طالما استمررنا في النهج ذاته من التركيز على القطاعات الخدمية والصناعات الاستهلاكية التي لا تقود إلى مضاعفة القيمة الاقتصادية وتتطلب عمالة رخيصة غير ماهرة. إن الاقتصاد يشبه إلى حد كبير خزان الماء الذي يتم ملؤه يدويا فكلما زاد عدد المستهلكين كلما تطلب العدد نفسه أو أكثر من العاملين لملئه. المشكلة عندما يكون عدد المستهلكين أكبر من عدد المنتجين، ليس بالضرورة بسبب أن الناس لا يرغبون في العمل ولكن لأن الخزان بقي صغيرا لم يتغير حجمه وبالتالي بقي الطلب على العمالة كما هو لم يتغير على الرغم من الحاجة الماسة إلى زيادة المعروض من الماء! إن ما يتطلب عمله هو السعي حثيثا ودائما نحو تكبير الكعكة الاقتصادية أو خزان الماء وهذا لن يحدث دون أن تكون هناك إعادة هيكلة للاقتصاد والتركيز على القطاعات مولدات الدخل الحقيقي.
المنتدى الأخير الذي نظمته المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني في العاصمة الرياض الأسبوع الماضي تحت شعار "خلق فرص العمل" جاء ليرسل رسالة واضحة صريحة في أن السبيل إلى الخلاص من أزمة البطالة هو في خلق فرص أكبر وجذابة للشباب وليس فرض العمل عليهم وفرضهم عليها بطريقة تخالف طبيعة اقتصاد السوق المبنية على الطوعية وقوى العرض والطلب. ما يتطلب عمله لخصه سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض في كلمته للمنتدى الذي دعا فيها إلى الخروج بمقترحات واقعية وجديدة لتوطين سوق العمل, والعمل على تنفيذها. هذا هو النهج السليم في العمل الحكومي والسياسات العامة في أن تكون واقعية وفي الوقت ذاته الالتزام بتنفيذها. إن سبب تعثر بعض المشاريع والبرامج التنموية هو افتقادها النظرة الواقعية والالتزام. الواقعية تعني أن ينسجم القرار مع الظروف والمعطيات والمستجدات وأن يتناسب مع القيم الاجتماعية وآلية السوق وأن يكون ذا تأثير وفاعلية في معالجة الموضوع وليس شكليا من أجل التلميع الإعلامي. أما الالتزام فهو أساس النجاح وتحقيق الأهداف وهو أن نفعل ما نقول إلى أن تتم المهمة دون تراجع ولا تردد ولا خروج عن دائرة الغايات الأساسية لما خطط له. إلا أن هناك أيضا إشكالية خلط المفاهيم وتفريغها من معانيها الأساسية وعدم تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، فنوعية، ومستوى، ومعدل البطالة، جميعها مفاهيم أساسية يجب تحديدها عوضا عن الحديث بالعموميات. وبشكل أدق هناك جهود كبيرة تبذل في توظيف الشباب، إلا أنها مهن ذات دخول متدنية وقد لا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية ولا تمثل إسهاما حقيقيا في التنمية الاقتصادية. هناك أيضا إصرار على تضييق دائرة الحديث في توطين الوظائف لتقتصر على الحاصلين على الثانوية وما دون، بينما هناك أعداد كبيرة من خريجي الجامعات لم تهيأ لهم الفرص الحقيقية للاستفادة من كفاءاتهم. إن ما يجب إدراكه هو ما نبه إليه سمو الأمير سلمان في أن يكون الطرح واقعيا، بحيث لا نكتفي بالحديث عن خلق الفرص الوظيفية وحسب ولكن يجب أن نسأل: ما نوعية هذه الوظائف؟ وما مستوى دخولها؟ والأهم كيف يتم توفيرها؟ وكم عددها؟ لم يعد كافيا أن نوفر فرصاً وظيفية متدنية الدخل لا تتطلب مهارات عالية مثل وظيفة الليموزين أو البيع في سوق الخضار وما شاكلها. هذه مهن شريفة ويجب أن يعمل فيها البعض، لكن ليس الكل. أي يجب ألا نتوقف عند حد خلق الوظائف دون تمييز ودون ربطها بالتنمية الاقتصادية للدولة. إن الشباب ثروة حبانا الله إياها وليست حملاً يثقل كاهلنا نبحث عن وسائل لتخفيفه أو معالجات أشبه ما تكون بالمهدئات. ما نحتاج إليه هو استراتيجية وطنية شاملة لجميع القطاعات وسياسات اقتصادية واضحة ليكون الشباب الثروة الحقيقية والطاقة التي تحرك عجلة الاقتصاد وقوة إيجابية وميزة تفضيلية تجعلنا في وضع تنافسي أفضل. ما يلزمنا لتحقيق ذلك كما قال سمو الأمير سلمان نظرة واقعية والتزام. إن دولا مثل ألمانيا واليابان لا تمتلك الكثير من الموارد الطبيعية وكانتا قد دمرتا تدميرا كاملا إبان الحرب العالمية الثانية، إلا أن كلتا الدولتين انتفضتا اقتصاديا اعتمادا على مواردها البشرية واستطاعتا في خلال عقود قليلة من الزمان أن تكونا على رأس قائمة الدول الصناعية والأقوى اقتصاديا. بكل تأكيد لم يلجأوا إلى فرض العمال على الشركات ولم يحولوا القطاع الخاص إلى قطاع عام لا يرتبط بقوى السوق، وإنما وضعوا استراتيجيه للتنمية الاقتصادية شامله لجميع القطاعات وحددوا أهدافهم بكل دقة ووجهوا الموارد نحوها وكان جوهر تفوقهم ونجاحهم أن عملوا على تطوير وتنمية الموارد البشرية العنصر الأهم والأساس في معادلة التفوق الاقتصادي.
لقد حان الوقت لندرك أن الدخل الوطني يجب أن يعكس الإنتاج الوطني، ومن دون هذا التوازن سنظل نعاني من هذا الاختلال بين الدخل والإنتاج. إن اقتصاداً بترولياً كاقتصادنا يعطي تصورا خاطئاً عن الإنتاج الوطني الحقيقي، إذ إنه لا يعكس بشكل كبير الجهد العضلي والفكري للأفراد وإنما إلى حد كبير سعر برميل البترول في السوق العالمية. لقد حان الوقت أن ندرك أن العمل من أجل الإنتاج وليس العيش فقط، وأنه لا يمكننا الدخول في المنافسة العالمية والمضي قدما في مشروعنا التنموي طالما أن هناك دعوى للبطالة المقنعة وسياسات طوارئ تحشر الشباب حشرا في الوظائف بقوة القانون والسلطة وليس بقوة العرض والطلب. السبيل الوحيد لحل مشكلة البطالة هو في توظيف جميع الموارد توظيفا كفؤاً وهذا يستلزم استراتيجية وطنية شاملة تأخذ في الحسبان جميع عناصر الإنتاج وليس فقط الأيدي العاملة. وهذا في ظني المقصود بخلق الفرص الوظيفية وما عدا ذلك فهو من باب العبث والدوران في المكان نفسه.
 

—————————————————————————-

صحيفة الاقتصادية الالكترونية – كُـتـّاب الاقتصادية – الأحد, 22 صفر 1428 هـ الموافق 11/03/2007 م – – العدد 4899

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.